في مدينة كولومبيا- ساوث كارولاينا أواخر عام 2012، كانت اليزا أونيل، طفلة لا تتجاوز الـ3 من عمرها، تعاني من مشكلة في النطق. يتذكر والدها غلين، مدير المشتريات في شركة لتخزين البيانات، قائلاً: “أدركنا أن هناك خطباً ما”، ثم ظهر من الفحوص الطبية أنها مصابة بـ”متلازمة سانفيليبو“.

وهو مرض نادر ومزمن، يصيب الإنسان فيفقده القدرة على الكلام ويعطل وظائفه الحركية، ثم يؤدي به إلى الوفاة قبل سن البلوغ. كاد الزوجان غلين وكارا- طبيبة أطفال، أن ييأسا من إيجاد علاج لابنتهما، لولا أنهما سمعا عن علاج تجريبي لهذا المرض، أظهر نتائج مبشرة بعد اختباره على الفئران. لكن المزيد من التجارب المخبرية كان يعني الحاجة إلى أموال طائلة، مما دفع الزوجين إلى إنشاء مؤسسة خيرية لجمع التبرعات عبر موقع الشركة الناشئة(GoFundMe)، ومشاركته في مواقع التواصل الاجتماعي. وبعد 3 سنوات، نجحت المؤسسة أخيراً بجمع 2 مليون دولار من 37 ألف متبرع حول العالم، بعد أن حقق مقطع مصور مدته 3 دقائق نحو 1 مليون مشاهدة في فيسبوك ويوتيوب.

وفي مايو/ أيار من العام 2016 أصبحت اليزا أول طفلة تتلقى علاجاً تجريبياً لهذا المرض. يقول غلين: “إن ما حدث معجزة“.

في مقابل ذلك، حصل موقع (GoFundMe) على %5 من أموال التبرعات (100 ألف دولار) وهو مقدار ما تقتطعه الشركة مقابل إدارتها الحملة والترويج لها على نطاق واسع- فكان نجاحاً مضافاً إلى أعمالها اللاحقة، وسبباً لظهورها في قائمة (FORBES) للشركات الناشئة التي يتوقع لها أن تساوي مليار دولار لعام 2016، بعد تقييمها بـ600 مليون دولار في يوليو/تموز 2015. وخلال 5 سنوات من أعماله الناجحة، تمكن الموقع من جمع تبرعات بقيمة 1 مليار دولار.

ثم بعد 9 شهور جمع المليار الثاني، و3 مليارات في 7 شهور فقط. في حين يتوقع أن تصل إيرادات الموقع 100 مليون دولار عام 2016 بهامش أرباح تشغيلية تفوق %20.

فيما يرى مسؤولو (GoFundMe) أن دافع الربح يتوافق تماماً مع هدف الشركة، المتمثل في استقطاب المزيد من المتبرعين لقضايا ذات أبعاد إنسانية واجتماعية. ولأن مستوى الأرباح مرتبط بحجم الأموال التي يمكن إقناع الآخرين للتبرع بها، تتركز وظيفة الشركة في تحفيز الناس على ذلك.

ويدير نحو مليون شخص من جامعي التبرعات مجموعة من الحملات، مثل: (Cure Sanfilippo Foundation) وإغاثة ضحايا فيضانات أغسطس في “باتون روج”. لقد جمعت (GoFundMe) من خلال 6400 حملة 11.2 مليون دولار تقريباً.

يقول الرئيس التنفيذي روب سولومون (49 عاماً): “تعمل المؤسسات الربحية في هذا المجال بفعالية أكبر من تلك غير الربحية“.

وتجمع الشركة أكثر من ضعف تبرعات الصليب الأحمر، التي جمعت مساهمات بقيمة 604 ملايين دولار خلال العام الماضي. وحتى هذه الجمعية العريقة (135 عاماً) التي تنفق %90 من أموالها على برامجها الخيرية، تشيد بالأسلوب الناجح للشركة. يقول نيل ليتفاك، الرئيس التنفيذي للتسويق في المنظمة: “إذا كانت قادرة على الجمع بين كسب المال وخدمة المجتمع في الوقت نفسه، فهذا أفضل من دون شك“.

ويعمل في مقر (GoFundMe) في مدينة ريدوود -كاليفورنيا 60 عاملاً في محطات موزعة على مساحة 9 آلاف قدم مربع، بينما تُعقد الاجتماعات في قاعات المؤتمرات المشهورة بحملاتها الناجحة، مثل: حملة “إنقاذ اليزا”، و”كرسي إبرا” التي جمعت 33 ألف دولار من أجل طالب كيني مصاب بشلل دماغي، ويحتاج إلى كرسي متحرك كهربائي.

يشير سولومون، الذي لا يملك مكتباً مستقلاً في الشركة، ويكتفي بمكتب صغير قرب إحدى النوافذ: “يكرس المطورون والمصممون أنفسهم لتحسين عمليات التبرع.” وتشمل عمليات التطوير تحسين واجهة المستخدم في الموقع لجعله أكثر جذباً لحملات التبرعات، وتسهيل مشاركتها عبر منصات وسائل الإعلام الاجتماعي. بالإضافة إلى تطبيق الهاتف النقال وإتاحة ميزة البث المباشر.

وتتطلع(GoFundMe) إلى تنفيذ خطط توسع كبيرة، بدأت في يوليو/ تموز بافتتاح مكتب لها في دبلن. كما تعمل اليوم في كندا وأستراليا، وتأمل بالتوسع في بلدان أوروبية عدة لم يصرح بها سولومون. ويتوقع أن تتراوح التبرعات السنوية بين 5- 7 مليارات دولار بحلول عام 2020.

في حين تدير معظم حملات (GoFundMe) نفسها من خلال إسهامات بسيطة من الموظفين. ولهذا تعمل الشركة بكفاءة ملحوظة، وتحافظ على عدد ثابت لموظفيها، وهم 165 موظفاً. (هناك فريق لخدمة العملاء من 69 موظفاً في سان دييغو، وظيفتهم الإجابة عن الاستفسارات الواردة إلى البريد الإلكتروني خلال 5 دقائق).

وفي المعدل، ينتج كل موظف إيرادات بقيمة 606 آلاف دولار. (في عام 2015 أنتج كل موظف من موظفي (Amazon) البالغ عددهم 230 ألف موظف ما قيمته 464 ألف دولار). أما بعض المنافسين فيطرحون نموذج أعمال مختلف لتحقيق

الإيرادات واستقطاب المزيد من المتبرعين؛ إذ بدلاً من فرض الرسوم، يطلبون من المتبرعين مساهمات إضافية لتغطية تكاليف الموقع. ووفقاً لـدان سابر، الرئيس التنفيذي في (YouCaring) في سان فرانسيسكو، فإن تبرعات هذه المنظمة بلغت خلال العامين الماضيين نحو 300 مليون دولار، كما أن %80 من المتبرعين يسهمون بمعدل %6 من التبرعات.

وفي عام 2014 أنشأت شركة (Indiegogo) للتمويل الجماعي، موقعاً لجمع التبرعات من دون رسوم يسمى (Generosity) استطاع في العام الماضي جمع 30 مليون دولار لقضايا شخصية، لكنه يطلب من المتبرعين إسهامات لصالح الموقع تصل إلى %15. كذلك (Crowd-Rise) ومقره ديترويت، تتراوح رسومه بين %5 إلى %6.8 ويطلب من الجهات المتبرعة إسهامات إضافية لتغطية تكاليف الموقع.

فيما تعمل غالباً لصالح الجمعيات والمنظمات الخيرية مثل (UNICEF) إذ تدير حملات المشاهير لجمع التبرعات، وتعمل كمنصة للأشخاص الذين يجمعون التبرعات للمنظمات غير الربحية، عندما يشاركون في أحداث كبرى مثل: ماراثون مدينة نيويورك. وبهذا تكون (GoFundMe) قد وجدت أخيراً نموذجها الخاص للأعمال.

ويعد مؤسساها: براد دامفاوس (34 عاماً) وآندي بالستر (35 عاماً) رائدا أعمال منذ عام 2008 حين تشاركا بإطلاق موقع إلكتروني للتمويل الذاتي (Createafund) أتاح للناس نشر حملات شخصية لجمع التبرعات، وتعزيزها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً. في ذلك الوقت، لم يكن لدى (PayPal) القدرة على تقسيم المدفوعات بين أطراف متعددة، ومعنى ذلك لا يمكن للشركاء الحصول على رسوم عن كل عملية تبرع.

وخلال العام الأول حاول كل منهما إقناع الجمعيات الخيرية باستخدام الموقع مقابل الاشتراك، لكنهما بعد ذلك، عملا على تقديم هذه الخدمة مجاناً. وفي عام 2009 حصلا على فرصة أخرى عندما أتاحت(PayPal) تقسيم المعاملات، فتدفقت الإيرادات وتحقق نمو الموقع ذاتياً من دون تمويل خارجي. ثم في عام 2010 قررا تغيير اسم الموقع إلى(GoFundMe).

وفي نهاية عام 2014، تلقى جون لوك (32 عاماً) الشريك في المؤسسة الاستثمارية (Accel)، دعوة عن طريق فيسبوك للتبرع بحملة كانت تديرها(GoFundMe) لتمويل المنح الدراسية. فأثار ذلك اهتمامه، وطلب لقاء دامفاوس وبالستر. وفي الوقت الذي حققت فيه المفاوضات تقدماً بين الطرفين، أجرى لوك استطلاعاً لـ300 شخص، وطلب من كل واحد منهم الاختيار بين عدد من المواقع التي يرغب بالتعامل معها لجمع الأموال من أجل قضية شخصية، فاختار 95% منهم موقع .(GoFundMe).

يعلق لوك: “لقد حصلت الشركة على نسبة أكبر مما كان يتوقعه دامفاوس وبالستر”. حينئذ، اتفقا على التنحي وبيع حصة الأغلبية. وفي حين ظل المؤسسان عضوين في مجلس إدارة (GoFundMe) توقفا عن التصريح لوسائل الإعلام بعد نشر

(Wall Street Journal)  في أحد مقالاتها بأنهما “جمعا ثروة” من خلال تلك الصفقة. لم تذكر المجلة المبلغ تحديداً، لكن التخمين بنحو 600 مليون دولار يعني أن المؤسسين حصلا على 300 مليون دولار قبل احتساب الضرائب على أقل تقدير.

ولاستكمال مراحل الصفقة، استقطب لوك عن طريق (Accel)، المستثمرين الأوائل في فيسبوك،

مثل: (TCV) و(Greylock Partners) فاختارت شركات الاستثمار جميعها سولومون الذي كان آنذاك شريكاً استثمارياً في (Accel) لإدارة(GoFundMe). وعند النظر في سيرته المهنية، نجد أنه كان مديراً فيYahoo) ) خلال سنوات ازدهارها، ثم انتقل إلى (SideStep) أحد محركات البحث الأولى للسفر قبل بيعه لـ(Kayak). بعد ذلك عمل في(Groupon)  ووسع من أعماله، فتزايد عدد الموظفين في عهده إلى 7000 موظف، بعد أن كانوا 100 موظف فقط.

ويصرح أنه قرر المغادرة قبل أن تتصدر مشكلات إدارة الشركة عناوين الصحف وتهبط أسهمها. ووفقاً لقوله أيضاً، لم يفكر بإدارة شركة أخرى وهو في (Accel) لكنه في الوقت نفسه، لم يستطع أن يفوت الفرصة المتاحة لإدارة (GoFundMe). يضيف: “لقد كنت متأثراً جداً بما كان يحدث. لم أستطع أن أصدق الأعداد الهائلة للحملات والناس في هذه المنصة.”

وحالما تمت الصفقة، نقل سولومون مقر الشركة إلى وادي السيليكون وبدأ بتوظيف المواهب. فكان الرئيس والمدير التنفيذي للمنتجات ديفيد هان (36 عاماً) الذي قضى 9 سنوات في(LinkedIn)  قبل انضمامه إلى(Greylock) أحد الموظفين الأوائل في الشركة. كما استقطب سولومون الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا أوغوال سينغ ((43 عاماً) من (Google)، ودان فايفر (40 عاماً) من البيت الأبيض، حيث كان مستشار اتصالات أول للرئيس أوباما طوال 6 أعوام ماضية.

وفي سياق تبرير رفضه لعروض الشركات أخرى، يقول فايفر: “السبب الذي دفعني لذلك هو انحيازي للشركات المؤثرة في العالم.” وبينما تتعدد أنواع الحملات وأبعادها، تظل الحملات الطبية في (GoFundMe) هي الفئة الأكبر، إذ مثلت 400 مليون دولار من أصل 1.5 مليار دولار جمعت في العام الماضي. ويبلغ متوسط ما تجمعه حملة (GoFundMe) 1 ألف دولار فقط، بينما تنشر مشاركة جديدة كل 18 ثانية. بالإضافة إلى توجيه جزء بسيط من التبرعات إلى منظمات غير ربحية مثل: (Cure Sanfilippo).

وهنا تكمن وظيفة فايفر، وهي تصفية ذلك الكم الهائل من الحملات، واختيار ما ينبغي تسليط الضوء عليه. في حين يعمل وفريقه المكون من 7 أشخاص على نشر قصص يومية تصور مقدار السعادة التي يشعر بها الناس عند تبرعهم عبر وسائل الإعلام والترويج لها في القنوات الاجتماعية. ففي سبتمبر/ أيلول الماضي، نشر الفريق قصة “حملة شيكاغو” من أجل فيدينسيو سانشيز (89 عاماً) وهو بائع الحلوى المعدم الذي فقد ابنته مؤخراً.

فحظيت القصة على تغطية واسعة من وكالات الأنباء، مثل (Chicago Tribune)و(ABC News)، التي نشرت صورة مؤثرة له وهو واقف أمام عربته محني الرأس. وفي غضون أسابيع، جمع سانشيز أكثر من 384 ألف دولارلكن كيف يعرف المتبرعون أن هذه الحملات حقيقية، وليست عملية احتيال؟

يقول داني غوردون (37 عاماً) رئيس قسم الثقة والأمان في(GoFundMe): مجموع الحملات المزيفة التي قد تنجح لا يتجاوز %0.1 فقط. ومن أجل تأمين الحماية والانضباط، تعمل (GoFundMe) إلى جانب معالج الدفع الخاص بها (WePay) (أوقفت شراكتها مع “PayPal” في عام 2011) على التحقق من الهويات والمعلومات للمستفيدين من الحملةوفي آلاف الحملات التي يجمع فيها المنظمون الأموال نيابة عن أشخاص آخرين، لا توافق الشركة على تحويلها إلا لمستحقيها، أو إلى المنظمين المقربين جداً منهم.

يضيف غوردون بأن شبكات التواصل الاجتماعي أداة فعالة، إذ يمكن للمانحين عبرها إجراء مراجعات وافية لمنشورات المنظمين في موقع فيسبوك مثلاً، الذي يكشف مدى صحة هويات المنظمين والمستفيدين.

كما أضافت (GoFundMe) في شهر أكتوبر/ تشرين أول الماضي، مستوى حماية آخر للمانحين؛ ففي حال اكتشف المانح دليلاً على التلاعب والخداع، ستمنحه الشركة ألف دولار، وإذا فشل المنظم في منح الأموال للمستفيد الحقيقي من الحملة، ستتبرع الشركة في المقابل بـ25 ألف دولار للشخص الصحيح.

كذلك يحدد غوردون تطبيق شروط الخدمة، فالموقع لا يستضيف الحملات التي تشجع على الكراهية والإرهاب أو التعصب، وهي بمجملها تندرج في 10 معايير تتضمن العرق والجنس. بالرغم من ذلك، فإن احتمالات التأويل لبعض تلك المعايير وارد جداً.

يقول غوردون: “نحن منصة إلكترونية محايدة في نهاية المطاف. ومثلما تتيح لنا الشركة بأن نكون عاملاً للتغيير في مجتمعاتنا، تسمح للجميع بإبداء التعاطف مع الآخرين وتفهم مشاعرهم“.

إن العديد من منظمي الحملات هم أناس عاديون، تمكنوا من إطلاق مبادرات لجمع التبرعات حول قضايا مختلفة من دون مساعدة جمعية خيرية معروفة.

ففي يناير/ كانون الثاني الماضي، أنشأت المشرفة الاجتماعية مارساي الين، 37 عاماً، والمقيمة في مدينة فلينت بولاية ميشيغان- صفحة إلكترونية خلال أقل من 10 دقائق، ونشرت فيها مقطعاً مصوراً لصنبور ينزل منه ماء بني اللون.

وسرعان ما قادت حملة حول تلوث المياه في مدينتها عبر موقع(GoFundMe) لشراء زجاجات مياه نظيفة وتوزيعها على السكان. فجمع الموقع ما يزيد على ألف دولار في 36 ساعة فقط.

وبالرغم من عدم مساندة طاقم فايفر لحملة الين، إلا أنها حازت على الاهتمام الكافي. فقد استجابت لها (CNNMoney) وأجرت محطة تلفزة محلية مقابلة معها. وفي أواخر فبراير/ شباط الماضي، نشرت هيلاري كلينتون كلاماً عنها في فيسبوك. بعد ذلك، كتبت الين مقالة افتتاحية في (Detroit Free Press) تناشد الناس ألا ينسوا مدينة فلينت.

لقد جمعت في النهاية أكثر من 50 ألف دولار لتوزيع زجاجات مياه نظيفة على سكان المدينة، ومناديل مبللة للأطفال، ومصافي لتنقية المياه الملوثة. وبعد إطلاقها للحملة بوقت قصير، طلبت الين من الشركة التنازل عن حصتها البالغة %5. توضح الين: “قلت لهم إن هذا الأمر يتعلق بمساعدة الناس في ظرف استثنائي“.

لكن كانت هذه الحصة غير قابلة للتفاوض من قبل الشركة، وبدلاً من ذلك، أطلقت مسابقة بقيمة 10 آلاف دولار لأنجح حملات (GoFundMe) في مدينة فلينت، وهي لفتة كريمة، وعاملاً مهماً لإطلاق المزيد من الحملات في مدينة فلينت، وبالتالي المزيد من الإيرادات لصالح الشركة. لقد فازت الين بتلك المسابقة، وتبرعت بالجائزة لمؤسسة محلية غير ربحية تسمى (Shelter of Flint. 

لكن لماذا لم تتنازل الشركة عن حصتها من العمولة؟  يقول سولومون: “الأمر متعلق بالنتائج التي تحققها هذه الحملات للمانحين”. فضلاً عن النتائج التي تحققها لصالح  ((GoFundMe أيضاً.