نسيت جدة بريسيلا شاروك كلمة المرور إلى حسابها في (Skype) غير مرة، إذ تستخدمه للاتصال بابنها المقيم في أميركا. تقول شاروك، 28 عاماً: “أصيبت بمرض الزهايمر على نحو بطيء، والمشكلات الناتجةعنه بدأت تزداد صعوبة”.

اتصلت شاروك، مهندسة المساحات الخضراء، بصديقها أنطوان جبارة طلباً للمساعدة في أوائل عام 2013 . فابتكر جبارة، مهندس الحاسوب الماهر، جهازًا بمنفذ ( USB)  يلج إلى تطبيق (Skype) عند توصيله بالحاسوب، من دون الحاجة إلى تذكر كلمة المرور. كان الجهاز بدائياً، إذ وصلت أجزاؤه بشريط لاصق، لكنه ساعد جدة شاروك على تخطي تلك المشكلة. بعد ذلك، صنع جبارة جهازًا له وآخر لشاروك، وزوده بخاصية قارئ بصمة الإصبع. مما مكنهما من تسجيل الدخول إلى حساباتهم في(Facebook)و (Gmail) بلمسة واحدة.

وقد افترضا أن هناك الكثير من المستخدمين يبحثون عن طريقة سهلة وآمنة لتسجيل الدخول إلى حساباتهم، فأسسا في بيروت شركة( Myki) قبل 4 أعوام لتسويق هذا الابتكار. لكنهما لم يتمكنا من تحقيق الكثير؛ إذ تضمنت الهواتف الذكية بحلول عام 2014 التقنية ذاتها، وجعلت جهازهما فائضاً عن الحاجة وغير ضروري.

في هذه المرحلة الحرجة، غيرت شاروك وجبارة منظور عمل شركتهما، وجعلاها من أوائل شركات أمن المعلوماتية الناشئة في العالم العربي. كما تخليا عن تلك الأداة، ودمجا تقنية بصمة الإصبع مع برنامج حاسوبي ينتج كلمات مرور معقدة، ويسمح للمستخدمين بتسجيل دخولهم إلى حساباتهم في شبكة الإنترنت من التطبيقات الإلكترونية في أجهزة الهواتف المحمولة. وبهذا استهدفت (Myki) الشركات، حيث الأرباح العالية. وقد طرح برنامجها الحاسوبي في السوق في فبراير/ شباط الماضي بعد خضوعه للاختبار. فكان 80% تقريباً من 40 ألف مستخدم جربوا المنتج من أميركا، يمثل معظمهم شركات صغيرة تضم نحو 10 موظفين. لكن يتمثل الاختبار الحقيقي الآن، في جذب العملاء المستعدين لدفع المال؛ إذ تتقاضى الشركة الناشئة ما بين دولار واحد و 15 دولار عن الموظف الواحد شهرياً، اعتمادًا على نوع الخصائص أو المزايا. في المقابل، يعمل جبارة وشاروك على تأسيس فريق مبيعات، لعرض المنتج على الشركات الكبرى في المنطقة. ويخططان للتوجه إلى الشركات الأصغر في أمريكا الشمالية عبر التسويق الإلكتروني. تقول شاروك، الرئيسة التنفيذية للعمليات: “يقال لا أحد يندم على اختياره ( IBM)  لكن لا يملك الجميع ما يكفي من المال لاختيار (IBM) . لقد أعرب بعض المستثمرين المرموقين عن ثقتهم بالشركة، فقبل إطلاقها رسمياً بوقت قصير، استثمرت فيها (Leap Ventures) ومقرها بيروت 600 ألف دولار، إلى جانب(Beco Capital)و (B&Y Venture Partners) ليصل إجمالي التمويل إلى 1.2 مليون دولار.

يقول الرئيس التنفيذي جبارة 24 عاماً: “أحب عبارة: إننا نحل  مشكلة كلمات المرور”. فهي أشبه بخط الدفاع الأول للشركة. وفي حال لم تطلب شركة ما من موظفيها تغيير كلمات مرورهم دورياً، باختيار مزيج من الأحرف والأرقام، قد تعرض نفسها لاختراقات أمنية خطيرة. ومن أكثر أعمال القرصنة إثارة للدهشة، ما حصل في حواسيب (Saudi Aramco) عام 2012 ، إلى الحد الذي أجبر الشركة، حسب ما قيل، على إغلاق البريد الإلكتروني للموظفين، ومنعهم من الولوج إلىالشبكة للحد من الأضرار.

كما أشارت تقارير إخبارية في ديسمبر/ كانون أول 2016 إلى هجوم على حواسيب بعض وزارات المملكة العربية السعودية. في السياق ذاته، خسرت أكثر من نصف شركات الشرق الأوسط التياستطلعتها مؤسسة (PWC) ما يقارب 500 ألف دولار على الأقل، بسبب اختراقات أمن المعلوماتية في عام 2015 . بينما أعلنت ثلث الشركات حول العالم فقط عن حوادث مماثلة. يقول جبارة: “إنها مشكلة عالمية، لكنها الأسوأ في هذه المنطقة، سيما أنها ظلت مهملة حتى عامين ماضيين فقط”. وفي حين تتوافر الكثير من أدوات إدارة كلمة المرور، تخزن شركة(LastPass) ومقرها أميركا، كلمات المرور في السحابة. غير أن القراصنة اخترقوا خادم الشركة عام 2015 . ولتقليل ذلك الخطر، تخزن (Myki) كلمات المرور المشفرة في جهاز هاتف المستخدم. يعلق جبارة: “نكره فكرة تخزين كلمات المرور في السحابة”. التقى جبارة وشاروك عام 2009 ، عن طريق رجا رحباني، الصديق المشترك ومهندس البرمجيات، الذي أصبح أول موظفي Myki بعد ذلك. حينها، كان جبارة يعمل في شركات استشارات أمنية في دبي، تهتم بحفظ البيانات. فلاحظ أن برنامج أمن المعلوماتية الذي استخدمته الشركات الكبرى، غير فعال وباهظ الثمن أيضاً، إذ يصل سعره إلى 70 ألف دولار أحياناً. وبعد ابتكاره ذلك الجهاز لحل مشكلة جدة شاروك، تقدم مع شريكته إلى مسابقة رواد الأعمال التي نظمها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 2013 في القاهرة. لم يحظيا بفرصة الفوز، لكنهما التقيا بأحد مستثمريهم المستقبليين. ثم طور جبارة منتجه في مدينة بيروت، بينما أشرفت شاروك على سير العمليات وكونت فريقاً.

وفي سبتمبر/ أيلول 2015 ، بينما كان جبارة ورحباني يحاولان الحصول على كلمات مرور للشركة،من نظام إدارة كلمة المرور (Keychain) العائد لـ(Apple )، وجدا ثغرة قد تسمح للقراصنة بسرقة كلمات المرور. يوضح جبارة: “أول ما فعلناه كان إرسال تقرير إلى (Apple )”. غير أن الشركة لم تستجب لذلك. فاتصل بمدون شؤون أمن المعلوماتية ستيفن راغان، الذي اقترح بدوره كتابة مقال يحذر من تلك الثغرة. وبين ليلة وضحاها، التقطت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي فحوى الرسالة، فاتصلت إدارة ( Apple)  بجبارة. وقد أدى انتشار مسمى الشركة (Myki)  في وسائل الإعلام إلى جذب آلاف الأشخاص ممن جربوا المنتج قبل طرحه في الأسواق. ثم اكتسبت المزيد من الدعم في أكتوبر/ تشرين الأول 2015 ،عندما حصلت على 600 ألف دولار من (Beco Capital) في دبي،(B&Y Venture Partners) في بيروت. واستقالت شاروك من عملها لدى شركة تنسيق مساحات خارجية خضراء، للعمل بدوام كامل في Myki ، وتبعها جبارة. فيما يعملان على تسجيل الشركة في ولاية ديلاوير، لاستقطاب عملاء من خارج منطقة الشرق الأوسط، ولاعتقادهما بأن ذلك سيساعد أيضاً في زيادة الثقة لدى العملاء الاميركيين حين يتعاملون مع شركة ناشئة من الشرق الأوسط. يؤكد جبارة بقوله: “إن منتج (Myki ) ليس محلياً بل عالمي”.