عقب تغريدة واحدة لترامب في(Twitter) انخفضت القيمة السوقية لأكبر شركة مقاولات دفاعية في العالم (Lockheed Martin) بقيمة 4 مليارات دولار. وقد تذمر ترامب من برنامج (F-35) الذي تزيد قيمته  عن 1 تريليون دولار، ويعد أضخم مشروع دفاعي على الإطلاق، بقوله: “إن برنامج  (F-35) المكلف جدًا بات الآن خارج نطاق السيطرة”.

مما خفض أسهم الشركة بنسبة 5% بسبب قلق المستثمرين من أي قرار مفاجئ، في الوقت الذي تخطط فيه (Lockheed) خلال 3 عقود مقبلة، صناعة أكثر من 3 آلاف طائرة ( F-35 ) بكلفة 100 مليون دولار لكل منها. لكن ليس على المستثمرين القلق، إذ لا تأثير لهذا الانخفاض مقارنة بأرباح وصلت إلى 170 % لسعر سهم الشركة، منذ تولي الرئيسة التنفيذية ماريلين هيوسون منصبها الحالي في يناير/ كانون الثاني 2013.

فقد حققت الشركة من مقرها في بيثيسدا بولاية ماريلاند خلال تلك الفترة، نموًا متواصلاً للأرباح، ووزعت منها على مساهميها نحو 12 مليار دولار، على الرغم من انخفاض ميزانيات الدفاع. وعموماً، سيكتشف ترامب قريباً، أن أساليب المضايقة التي يستخدمها في صفقات العقارات لا تفيد كثيرًا مع مقاولي الدفاع. أما طائرة (F-35) المقاتلة فلم تصمم لقدرتها على التسلل فقط، بل لحصولها على دعم الكونغرس أيضاً.

ويجري تصنيعها في مركز يضم 14 ألف موظف في “فورت وورث” بتكساس، وتتكون من 300 ألف قطعة من موردين في 45 ولاية، بما يتيح نحو 150 ألف وظيفة. وحتى لو افترضنا أن ترامب سيلغي هذا البرنامج– احتمال ذلك مشابه لاحتمال ترشيحه هيلاري كلينتون في المحكمة العليا –فذلك لن يقضي على (Lockheed) سيما أن إيراداتها لعام 2016 تجاوزت 46 مليار دولار.

وقد غطى دافعو الضرائب  تكاليف تطوير (F-35) بـ 45 مليار دولار، فضلاً عن معدات أخرى تبيعها الشركة بمليارات الدولارات للحكومة الأميركية، كصواريخ ترايدنت الباليستية، والطائرات المروحية وأقمار التجسس بالغة السرية. وبالتالي، يمكن لترامب أن يغرد معبرًا عن استيائه كما يشاء، فهذا لن يغير حقيقة أن (Lockheed) إحدى الشركات القليلة في العالم، التي يمكنها ابتكار تقنية دفاعية– التسلل والتخفي عن الرادارات مثلاً- ثم إنتاج كميات كبيرة منها على خط التجميع. تقول هيوسون ،62 عاماً، التي عملت سابقاً موظفة هاتف في جامعة ألاباما: “لا يدور عملنا حول شخص الرئيس الأميركي. إننا ندير سلسلة توريد ضخمة، ولدينا شركاء دوليين في أنحاء العالم كافة، وعلى هذا الأساس نتوقع مردودًا جيدًا.”

ومنذ أن بدأت عملها في الشركة عام 1983 في تصميم محركات طائرات الشحن (C-130) التوربينية في ماريتا- جورجيا، برعت في التعامل مع التقلبات الحكومية. ومثال ذلك: يفضل الكونغرس تقسيم العقود إلى مجموعات سنوية صغيرة الحجم، وإخفاء التكلفة الإجمالية لبرامج الأسلحة الضخمة على غرار (F-35) بالرغم من أن ذلك يجعلها أكثر كلفة وأقل كفاءة على المدى الطويل. وفي مقابل ذلك، تتحدد الأنظمة الداخلية في (Lockheed) بما يتيح التعامل مع هذا النوع من الإجراءات الحكومية.

كما ينصب تركيز هيوسون على المجال الدفاعي بأكثر من 90 % من المبيعات؛ فقد خطت بجرأة لشراء وحدة الطائرات المروحية (Sikorsky) من (United Technologies) بنحو 9 مليارات دولار عام 2015 ، وعقد اتفاقية ب 3.9 مليار دولار من أجل (Marine One) أسطول رئاسي خاص من 23 طائرة بعد أن خسرته الشركة قبل ذلك ببضع سنوات. ولعل هذا البرنامج مناسب أيضاً لينشر ترامب تغريدة غاضبة حوله، غير أن (Sikorsky) تحمي هذه الشركة من  انتقادات الرئيس؛ فمروحياتها تحظى بشعبية كبيرة لدى الحكومات الأجنبية، بوصفها منصات أسلحة منخفضة الكلفة، ويتوقع أن تسهم في رفع المبيعات الأجنبية من نحو 25% إلى 30%. كذلك تسمح(Sikorsky) لشركة (Lockheed) باستعراض براعتها التقنية في مختبراتها، مثل اختباررحلات الطيران ذاتية القيادة.

ومما يدل على براعة مهندسيها في هذه التكنولوجيا؛ أن مروحية (K-Max) المسيرة، نجحت منذ تشغيلها في عام 2011 بنقل بضائع تزن أكثر من 4.5 مليون رطل إلى مواقع عسكرية نائية في أفغانستان. وفي غضون سنوات قليلة قد تصبح معظم مروحيات (Lockheed) اختيارية القيادة. أما من ناحية البحث والتطوير، فتنفق الشركة 700 مليون دولار سنوياً، لابتكار تقنيات يمكن بيعها إلى وزارة الدفاع الأمريكية. فيما يعود تاريخها في وادي السيليكون إلى خمسينات القرن الماضي، حين طور مهندسوها تكنولوجيا الصواريخ البالستية المصممة لحمل رؤوس نووية. وها هم اليوم في بالو ألتو وغيرها، يعملون على تصميم طائرة تفوق سرعة الصوت، بما يمكنها من عبور البلاد في أقل من ساعة.

فضلاً عن تصميم أسلحة ليزرية موجهة لتفجير الصواريخ المهاجمة، ومفاعل الاندماج المضغوط الذي يمكن وضعه في الجزء الخلفي من الشاحنات الصغيرة لتزويد مدينة يقطنها 100 ألف نسمة بالكهرباء. تقول هيوسون: “مهمتي هي التأكد من أن منتجاتنا تتناسب مع أولويات عملائنا المتغيرة باستمرار”.

لكن  (Lockheed) ليست مختبرًا ضخماً للبحوث فقط، فهي عملاقة في تصنيع الطائرات المتطورة مثل  (F-35) على نطاق واسع، والغواصات الروبوتية والسفن القتالية عالية السرعة للقوات البحرية. وسابقاً، صنعت صواريخ باتريوت، ونظام أيجيس المضاد للصواريخ، ومركبة فايكنغ التي لا تزال تجوب المريخ.

وسوف يكتشف ترامب أن خياراته الأخرى بعيدًا عن هذه الشركة محدودة جدًا. فوزارة الدفاع الأمريكية يمكنها شراء صواريخ “سايد وايندر” من (Raytheon) والغواصات النووية من (GeneralDynamics) غير أن (Lockheed) هي شركة المقاولات الوحيدة   التي يمكنها تقديم مشروع بحجم  (F-35). يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه هيوسون، وهو إقناع الكونغرس وترامب بشراء كميات أكبر حتى تتمكن الشركة من تقليل التكاليف عبر سلاسل إمداداتها الهائلة، وتخفيض الأسعار بين 80 و 85 مليون دولار أقل من كلفة طائرة ترامب الشخصية .

توضح هيوسون: “إذا تأملتم في المنظومة الأمنية العالمية والصعوبات التي تفرضها، ستجدون أن منتجاتنا هي القادرة على التعامل معها. وفي الوقت الذي أنظر فيه إلى الشركات في قطاعنا، فإنني أراهن على هذه الشركة”.