في سابقة من نوعها، اتخذت الحكومة الهندية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي قرارًا مدمرًا لاقتصادها، ومهددًا للملايين من سكانها بالفقر المدقع. فقد ألغت الصفة القانونية لمعظم النقد المتداول في البلاد، بعد إمهال المواطنين أسابيع قليلة لاستبدال ما يملكونه من أوراق نقدية بأخرى جديدة.

وفوق هذا كله، فإن القرار الذي ألغت الهند بموجبه 85 % من عملتها النقدية من دون إنذار مسبق، يعد غير أخلاقي أيضاً, كما تفاقم الاضطراب الاقتصادي لعدم إصدار الحكومة كميات كافية من الأوراق النقدية الجديدة، فضلاً عن كونها تختلف في حجمها عن السابقة، مما أحدث مشكلة كبيرة في أجهزة صرف النقود الآلية.

وبالرغم من أن الهند معقل للتكنولوجيا المتقدمة، إلا أن مئات الملايين من سكانها يرزحون تحت خط الفقر، في ظل تزايد أعداد العمال العائدين إلى قراهم بسبب إفلاس الكثير من الشركات، أو عجزها عن تسديد الأجور. كما أصاب الكساد سوق العقارات.

ويعتمد الاقتصاد الهندي في معظمه على النقد، علاوة على أن الكثير من جوانب اقتصادها تعمل بصفة غير رسمية، بسبب تضييق القوانين وتزايد الضرائب، والبيروقراطية الحكومية المعروفة بتعقيدها وبطئها وفسادها، بما يدفع الناس للاعتماد على أنفسهم في تسيير شؤونهم ومصالحهم.

في حين يقيس البنك الدولي في تقريره السنوي حول ممارسة أنشطة الأعمال، صعوبات تأسيس الشركات وإدارتها في 190 دولة حول العالم، مستخدما مقاييس عدة، مثل: المتطلبات القانونية لتأسيس شركة ما، والحصول على الموافقات اللازمة للشروع بالبناء وغيرها- حيث تحتل الهند مركزًا متدنياً من هذه الناحية.

والحقيقة أن الحكومة لم تنخرط في فعل كهذا منذ برنامج “التعقيم القسري” الذي لم يعمر طويلاً في سبعينات القرن الماضي، بحجة تحسين النسل والتصدي للاكتظاظ السكاني الذي تعاني منه البلاد، لكن على نحو يشبه أفعال الحركة النازية.

في المقابل، تدعي الحكومة بأن هذه الخطوة ستكافح الفساد والتهرب الضريبي، عن طريق طرد الأموال غير القانونية، وكبح جماح المنظمات الإجرامية والإرهابيين، والسير في اتجاه نظام نقدي رقمي.

أما عن التحول إلى العمليات المالية الرقمية أو الإلكترونية، فينبغي تحرير الأسواق حتى يتحقق فعلاً. كما إن أفضل علاج للتهرب الضريبي يكمن في فرض ضريبة ثابتة أو تحديد النظام الضريبي على نحو مبسط ومنخفض، بحيث يقلل من حالات التهرب على أقل تقدير.

بعبارة أخرى: سهلوا إجراءات مزاولة الأعمال التجارية المتوافقة مع القانون، وسيقتدي بكم معظم الناس في ذلك. ولعل الهند من أبرز الأمثلة على تقويض الجهود الحديثة في مكافحة مشكلات الأوراق النقدية؛ تلك الجهود التي تعمل الحكومات على تعزيزها ويسعى خبراء الاقتصاد على التوسع في تفعيلها أكثر فأكثر. فيما تتجه الدول إلى حظر الأوراق النقدية من الفئات الكبيرة، مستفيدة من المبررات التي تسوقها نيودلهي.

لكن حقيقة ما يجري معروفة وغير خافية، وهي: اقتحام خصوصيات الناس، وفرض المزيد من السيطرة الحكومية على حياتهم. ويدل قرار الحكومة الهندية على بعد آخر من أبعاد توجهها الحالي؛ فالأموال هي حصيلة ما ينتجه الأفراد، وتمثل حقوقاً في المنتجات والخدمات. ولأن الحكومات لا تنتج الموارد بل الأفراد من ينتجونها، فإن ما تفعله الحكومة يعد سرقة معلنة لممتلكات الأفراد، من دون الالتفات حتى إلى حقوقهم فيها.

أليس من المدهش أن يصدر هذا عن حكومة منتخبة ديموقراطياً؟ يتوقع صدور قرارات كهذه في أماكن أخرى من العالم مثل فنزويلا ومن غير المفاجئ أن تحاول الحكومة التقليل من حقيقة أن هذا الفعل سيجلب للهند مكاسب غير متكررة ولمرة واحدة، قد تبلغ عشرات المليارات من الدولارات.

بالتالي، فسرقة الممتلكات والإمعان في إفقار الفئات الأقل حظاً من رعاياها، وتقويض الثقة بين مكونات المجتمع، وتلويث الفضاء السياسي، والإضرار بمستقبل الاستثمارات، أضرت بالمواطنين الهنود على نحو منافٍ للأخلاق، على الرغم من عدم اضطرار الحكومة إلى فعل ذلك، فضلاً عن تقديم نموذج أو مثال مفزع لبقية دول العالم.

وما ينبغي لها فعله حتى تحقق رغبتها بأن تصير مركز قوة عالمي، تخفيض معدلات الضريبة على الدخل والشركات، وتبسيط الهيكل الضريبي إجمالاً، وتقوية الروبية كالفرنك السويسري، وتقليل القوانين والتعليمات تدريجاً، ليغدو تأسيس نشاط تجاري غير مكلف ولا يستغرق سوى دقائق معدودة.

هل سيستمر الاتحاد الأوروبي؟

أدى رفض المقترعين الإيطاليين في الشهر الماضي لاستفتاء حول إصلاح دستوري مزعوم، إلى انهيار الحكومة. فطرح السؤال الآتي: هل إيطاليا في طريقها للخروج من الاتحاد الأوروبي؟ لكن هذا الخيار ليس حلاً للمشكلات القائمة؛ فمشكلة إيطاليا هيكلية، كما هو حال العديد من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

ومعنى هذا أن الأزمات ستلازمها إذا غادرت على عاتقها؛ إذ يغرق نظامها المصرفي في الفوضى، بينما يتفاقم الدين الحكومي بنسب مشابهة للحالة اليونانية.

أما الإصلاحات الداخلية المتمثلة في التخفيضات الضريبية الكبيرة، والتبسيط الجذري للقانون الضريبي في مجمله، وقوانين العمل المناهضة للنمو الأقل صرامة، والتعليمات التي تقود إلى درجة أقل من الاختناق، والبيروقراطية الأقل انتشاراً-في حدها الأدنى، هي بمجملها ظواهر تؤدي إلى تلاشي النمو الاقتصادي تقريباً.

وفي حال تفكك الاتحاد، إذا ما تفاقمت الأزمة الإيطالية، فإن ما سيحدث لن يكون أقل من كارثة جيوسياسية. في الوقت الذي تبدي فيه الصين ولعاً متزايدًا بمنطقة المحيط الهادئ، مما يجعل استشراف المستقبل غامضاً ومرعباً أيضاً. 

سوء إدارة الدين

في عصر يتميز بسلسلة طويلة من الممارسات الاقتصادية الكارثية، استحوذ سوء إدارة وزارة الخزانة الأميركية للدين المحلي على القليل من الاهتمام. ومع معدلات الفائدة المنخفضة على نحو غير عادي، يعود الفضل في كبحها إلى مصرف الاحتياطي الفدرالي- قد يعتقد الناس بأن الحكومة الأميركية ستسعى بجد لإصدار سندات طويلة الأجل للإبقاء على انخفاض التكاليف.

فيما لم يمضِ زمن طويل منذ أن كانت سندات الخزينة الممتدة آجالها إلى 30 عاماً تدر بانتظام ما يزيد على 7% مقارنة بأدائها مؤخرًا، وهو عائد أقل بنسبة 3%. لكن عمد المسؤولون في وزارة الخزانة الأميركية إلى تقليص متوسط الفترة الزمنية للدين الحكومي ل 5 أعوام كحل مؤقت، أي

الاحتيال بتخفيض تكلفة تمويل الدين، وبالتالي تحرير المزيد من الأموال لتنفيذ برامج محلية عديمة الفائدة لقد انسحب هذا التصرف على إدارة أوباما بجوانبها كافة. )من أكثر الأمثلة وضوحاً على قصر النظر والتهور، حين سحب أوباما الجيش الأميركي من العراق عام 2011 ، معلناً انتهاء الحرب وهزيمة الإرهاب، بهدف تعزيز فرص إعادة انتخابه.

لكن ظهرت الحقيقة المغايرة بعد ذلك، وسطع نجم الدولة الإسلامية في العراق والشام(. وفي ظل التوقعات بارتفاع معدلات الفائدة، وسريان قرارات ترامب الضريبية والصحية والتنظيمية، سيتوسع الاقتصاد الأميركي من جديد، وسينمو الطلب على القروض، كما ستتزايد تكاليف الحصول عليها.

ولحسن الحظ، لا يزال الوقت متاحاً لإصدار سندات طويلة الأجل بمبالغ كبيرة وتكاليف منخفضة. لكن في واقع الأمر، ينبغي لنا الاقتداء بالدول الأخرى التي أصدرت أدوات دين مماثلة.

وفي هذا السياق، يقترح خبير الاقتصاد المخضرم لاري كودلو على الحكومة الأميركية، طرح سندات بأجل يمتد حتى 100 عام، فما دامت المكسيك وايرلندا وبلجيكا قد نجحت في فعل ذلك،

يمكننا النجاح أيضاً. حالياً، يتعين على وزارة الخزانة الإعلان عن طرح سندات آجلة حتى 100 عام بتريليونات الدولارات، خلال الشهور ال 15 المقبلة أو نحو ذلك. والإجابة عن السؤال البديهي: هل ستباع سندات كهذه؟ نعم، ستشهد إقبالاً منقطع النظير.

إن الخطوة الكارثية التي أقدم عليها الاحتياطي الفدرالي عندما اشترى سندات أميركية وأوراق مالية مضمونة برهونات عقارية باهظة، تسببت بشح السندات في أيدي الجهات غير الحكومية.

ما أحدث، إلى جانب معدلات الفائدة بالغة الانخفاض، أضرارًا هائلة بصناديق التقاعد، وشركات التأمين التي لا غنى لها عن سندات آمنة بمعدلات فائدة “طبيعية” أو “عادية” لتفي بالتزاماتها أو تعهداتها المستقبلية.

كما يتعين على الإدارة الجديدة، منع الاحتياطي الفدرالي من شراء أي من هذه الأوراق المالية. بالإضافة إلى أن عليها دفعه لتقليص محفظته التي تزيد على 4 تريليون دولار. وعندما يحين أجل استحقاق سند ما، فلا ينبغي إعادة استثمار ثمنه الأصلي، بل يعاد ضخه في أسواق الائتمان بدلاً من ذلك، حيث يوظف بفاعلية ليسهم في توسيع الاقتصاد.

وبالمناسبة، كان خبير السياسات النقدية ديفيد مالباس محقاً، عندما شدد على أن النتيجة النهائية لهذه الممارسة الخاطئة لا تقتصر على التسبب بشح في السندات فحسب، بل تفضي كذلك إلى شح في الائتمان للشركات الصغيرة والناشئة.

بعبارة أخرى، تتصرف الحكومة الأميركية والاحتياطي الفدرالي بعكس ما ينبغي لهما فعله، فالحكومة الفدرالية تعمد إلى تقليص أجل استحقاق ديونها، والاحتياطي الفدرالي يطيل أجل استحقاق مقتنياته من السندات.