تعد ( أرامكو السعودية) “شركة البترول المملوكة للدولة في المملكة العربية السعودية” واحدة من أكبر شركات الطاقة في العالم، نظراً إلى قيمتها التي تبلغ نحو 10 تريليونات دولار. وتدرك هدى الغصن، المديرة التنفيذية للموارد البشرية، والتي عملت في تلك الشركة العملاقة طوال مسيرتها المهنية، أن الناس هم من يصنعون الشركة.

وقد كُلِّفت الغصن هذا العام بمهمة تقديم استراتيجية متقدمة وحيوية للموارد البشرية لجذب المواهب والحفاظ عليها، وبالتالي سد الفجوات، وإبقاء الموظفين متصلين بالعمل. وتركز مديرة الموارد البشرية على 3 مجالات ذات أولوية عالية ابتداءً من الآن وحتى عام 2016: تخطيط وتحليل استراتيجيات للقوى العاملة، وتنمية القيادة، وإدارة الأداء. وبعد 33 سنة من العمل في (أرامكو)، تحرص الغصن على أن تدير الموظفين بضرب مثال حسن أمامهم.

وتعد (أرامكو) شركة قوية، ومستوى تقدمها جيد نظراً إلى امتلاكها أكبر احتياطي، وأكبر حقل
نفطي مثبت في العالم. وأنتجت الشركة، التي تأسست عام 1933 في الظهران، 9.4 مليار برميل نفط يومياً عام 2013، كما أنها اكتشفت 121 حقل نفط وغاز على مدار تاريخها المميز.

وبوصفها شركة قيادية في مجال استكشافات الهيدروكربون، وإنتاجه وتكريره وتوزيعه وشحنه وتسويقه، إضافة إلى مهمتها لتنمية حقل الغاز، تعد (أرامكو) المصدّر الأول للنفط الخام والغاز الطبيعي، ولها وجودها في كل من الصين واليابان وكوريا وإندونيسيا ومصر والولايات المتحدة وأوروبا، إضافة إلى عملياتها في المملكة السعودية.

وبالنسبة لشركة بهذه المسؤوليات الضخمة؛ فإن توظيف أفضل الخبرات أمر غاية في الأهمية، لذا فهي تنفق 1.2 مليار دولار سنوياً على تطوير وتدريب موظفيها بدءاً بالمنح الدراسية والدورات المعدة خصيصاً، وانتهاءً بتشغيل مراكزها التدريبية الـ25، وبرامج تدريب القيادة التابعة لها. وعلى الرغم من أن وظيفة الغصن تتمثل في وضع استراتيجية الموارد البشرية وتنفيذها، إلا أن دورها الأساسي هو ضمان استمرارية توفر قوى عاملة مدربة لدعم عمليات (أرامكو) التشغيلية.

وتقول: “تؤثر صناعتنا في حياة الملايين من الناس حول العالم، وتسهم في النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية ورفاهية العديد من الدول”، مضيفة أن جوهر وظيفتها يكمن في خلق بيئة يتمكن فيها الناس من الازدهار والنمو.  وتقول أيضاً: “أعتقد أنني نجحت في خلق بيئة صحية وإنتاجية في مؤسستي، الأمر الذي ساعدني في قيادة التحول الأخير لوظيفة الموارد البشرية من كونها وظيفة تعتمد على التبادلات والعمليات وتركز على إدارة الموظفين لتصبح شريكاً استراتيجياً توفر حلولاً استراتيجية للأعمال”.

وفي الفترة التي تسبق عام 2016، ستركز الغصن على إدارة أداء 65 ألف موظف حالي في الشركة، واكتشاف المواهب الكامنة في الخريجين الجدد. علاوة على ذلك، تعمل هدى كل عام على تحديد 400 شخص من بين أكثر خريجي المدارس الثانوية السعوديين موهبة لتشركهم في دورة مكثفة مدتها 10 شهور لتحسين مستواهم في اللغة الإنجليزية، والرياضيات والعلوم داخل المؤسسة قبل إرسالهم إلى أفضل الجامعات حول العالم في منحة دراسية.

وفيما يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة، تضمن الغصن خضوع 6200 طالب لتدريب مهني في (أرامكو) سنويا، %40 منهم إناث. وستؤدي قدرتها على جذب المواهب والحفاظ عليها، وإداراتها دوراً ضخماً في تحقيق رؤية الشركة الطموحة لعام 2020، وهي أن تصبح شركة رائدة ومتكاملة للطاقة والكيميائيات في العالم في خضم التوسع المستدام والمتنوع لاقتصاد المملكة. وعملت (أرامكو) على إنشاء شراكات مع 23 جامعة حول العالم في سعيها لضمان الحفاظ على جودة الدورات والتدريب وتمكين الخريجين من إيجاد أماكن للدراسة.

وتقرأ الغصن الرسائل الإلكترونية، وترد عليها ابتداءً من الفجر ليتبع ذلك نهاراً يموج بعمليات التواصل وجهاً لوجه مع شركاء الأعمال وزملائها والموظفين والمستشارين، وذلك لتحافظ على جودة عملها، وتقول خبيرة الموارد البشرية، التي ولدت في العراق لأبوين سعوديين: “تتراوح الموضوعات بين مناقشة حلول الأعمال، وحل مشكلات الناس، والتوجيه وتحديد الموارد وإدارة الأداء، ومراقبة التقدم ووضع الاستراتيجيات والتأمل”.

ومن المجالات الأخرى التي تركز عليها رئيسة الموارد البشرية تنمية القيادة، وهذا يشكل تحدياً رئيسياً في الوقت الحاضر، لاسيما مع وجود 4 أجيال من العمال في الشركة، إضافة إلى العديد من القادة الذين اقتربوا من سن التقاعد. وتؤكد المديرة التنفيذية، التي درست الأدب والعلوم الإنسانية في جامعة (الملك سعود) بالرياض، على ذلك قائلة: “هذا أمر مهم وخصوصاً الآن، حيث توجد فجوة كبيرة بين الموظفين القدامى والموظفين الجدد تتعلق بالمعرفة والخبرة. ونحتاج إلى تحديد المواهب الشابة، من بينها المواهب النسوية، وتطويرها في وقت مبكر من مسيرتها المهنية”. ويبلغ عمر %60 من سكان السعودية أقل من 35 عاماً الأمر الذي يجعل مخزون المملكة المحتمل من المواهب قوياً وراسخاً.

ويقدر الاتحاد الخليجي للبتروكيماويات والكيماويات، أن عدد من تم تعيينهم في قطاع البتروكيماويات في دول مجلس التعاون الخليجي وصل إلى 140 ألف شخص، وأنه من الضروري تعيين موظفين متخصصين في التكنولوجيا والتحليل. ويقول عبد الوهاب السعدون، أمين عام الاتحاد الخليجي: “بوصفها صناعة تنمو من حيث الحجم والعمق والانتشار، فإن قطاع البتروكيماويات في مجلس التعاون الخليجي يحتاج إلى قوى عاملة متطورة” مضيفاً أن تطوير المواهب والتكنولوجيا لن يحدث في ليلة وضحاها.

وتضيف هدى الغصن، التي تصحو الساعة 5:20 صباحاً يومياً لتمارس رياضة اليوغا قبل أن تنتقل إلى عالم اكتشاف المواهب سريع الخطى: “لقد بدأنا تواً في توظيف خريجين جدد غير سعوديين، “من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، إضافة إلى بلدان الشرق الأقصى مثلاً” يتمتعون بالمهارات المهمة في التكنولوجيا والبحث والتطوير، وهما المجالان اللذان نتوسع فيهما، ولكن لا يوجد فيهما أي موهبة حالياً”. إن مجال البحث والتطوير أساسي لـ(أرامكو) في سعيها للتنوع، وفي النهاية لن يدوم الذهب الأسود في المملكة إلى الأبد. ومع تضاؤل مخزون النفط، ينبغي على الغصن ضمان عدم تضاؤل عدد موظفي (أرامكو)، الشركة التي بدأت بالعمل فيها محللةً بعد تخرجها عام 1981.

وكان لوالدة الغصن الراحلة، تأثير قوي عليها، حيث هي من كانت وراء تحديد فلسفتها في الحياة. وتقول خبيرة الموارد البشرية: “لقد كانت امرأة قوية جداً، وكانت مصرة على أن نتلقى تعليماً جيداً، وخصوصاً نحن الإناث”، مضيفة أن والدتها هي من عرفتها بشركة (أرامكو) وهي من أتت لها بورقة طلب التقدم لوظيفة في الشركة. وتقول الرئيسة التي اكملت تعليمها لتنال شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من واشنطن: “لا أعتقد أنني كنت سأصل إلى ما أنا عليه اليوم لولا والدتي”.

وقد ترقت الغصن في المراتب الوظيفية حتى وصلت لمنصبها الحالي، وهي بذلك حققت النجاح ووضعت بصمتها في الشركة؛ فحصول امرأة على منصب رفيع المستوى في (أرامكو) أمر مهم، ومميز نظراً إلى أنه من المتعارف عليه أن المناصب القيادية في قطاع النفط مقتصرة على الرجال. وبالتالي فإن تعيين رئيسة موارد بشرية أنثى يعكس انطباعاً إيجابياً للموظفين المحتملين عن فلسفة (أرامكو) المؤسسية التي تقضي بتعيين وترقية الموظفين على أساس المؤهلات والمواهب والقدرات وليس على أساس النوع والجنسية.


ويقول معتصم المعشوق، نائب رئيس تطوير الأعمال الجديدة في أرامكو، والذي عمل مع زميلته في مجلس إدارة شركة (جونز هوبكنز أرامكو للرعاية الصحية) إنه طالما كان معجباً بتركيزها على أهم القضايا ذات الصلة التي ستساعد في تشكيل المستقبل. ويضيف: “هدى بوصفها قائدة الموارد البشرية في (أرامكو) السعودية تتحمل مسؤولية بذل جهود فريدة وغير مسبوقة في تاريخ الشركة لتجميع عدد من المواهب القادرة على تحفيز أجندة استراتيجية الشركة بأفضل الطرق الممكنة”. وفي نهاية المطاف، تنتمي خبيرة الموارد البشرية إلى مجموعة صغيرة وناشئة من المديرات التنفيذيات السعوديات، كما أنها تؤدي دوراً قيادياً لدعم النساء الأخريات ومساعدتهن في إكمال مسيرتهن المهنية المؤسسية الناجحة، حسب ما يضيفه نائب الرئيس.

وفعلاً هذا يعني أن يتمتع المرء بروح الابتكار. وواحدة من الأفكار المذهلة التي قد تنتقل من مرحلة التخطيط إلى التجسد على أرض الواقع هي إمكانية إنشاء جامعة ( أرامكو) ، حيث تقول رئيسة الموارد البشرية: “هذه من الأفكار التي يتم البحث فيها، فالنية موجودة والحاجة كذلك”.

إن بناء (جامعة أرامكو) قد يقلب الموازين، ويحل واحدة من التحديات الرئيسية التي تواجهها الغصن في القطاع الذي يسيطر عليه الرجال؛ فالمعايير الثقافية التي تسود في المملكة تقضي ببقاء المرأة في المنزل، وعدم حصولها على فرص تعليمية متساوية، أو حتى العمل في مهنة في مجال البتروكيماويات لأنها ممنوعة من دراسة الهندسة بموجب القانون. ولكن ستتمكن النساء في (جامعة أرامكو) من دراسة المواد التي يدرسها الرجال بحرية. وتقول مؤكدة: “الحل واضح: يجب أن تحصل النساء على دور متساوٍ، وتشارك في القرارات التنفيذية والتشريعية المتعلقة بالاقتصاد والمجتمع والتعليم وشؤون الدولة”.

وتفعل (أرامكو) ما هو أكثر مما تفعله الشركات الأخرى من حيث توظيف النساء؛ فقد عينت أول امرأة سعودية فيها عام 1964. واليوم، تحتل 84 امرأة مناصب قيادية في (أرامكو)، و%40 من موظفي قسم الغصن، الذي يتألف من 1500 شخص، من النساء. وتقول الرئيسة المتفائلة: “نحن نقدم منحاً دراسية، ووزارة التعليم تلبي احتياجات القطاع من حيث توفير عدد أكبر من الفرص التعليمية للنساء في المجالات الفنية. وآمل أن الأمور ستتغير قريباً”.

وتؤدي الغصن دوراً حيوياً في محاولة تحقيق المساواة فيما يتعلق بتعليم النساء في السعودية؛ فهي تساعد في تخفيف القيود الاجتماعية لتتيح ظهور قيادة نسائية. ومنذ تسلمها نموذج طلب التقدم لوظيفة في (أرامكو) من والدتها، وهي تكرس نفسها لجذب ألمع العقول والحفاظ عليها.

ومع عملها الدؤوب في اكتشاف المواهب الناشئة، وضمان تدريب الموظفين والتزامهم بأفضل قدراتهم وضمان وجود عدد من القادة الجاهزين للعمل، فإن هدى الغصن تتكفل باستمرار ازدهار (أرامكو) السعودية، وتأمل أنه في يوم من الأيام قد تصل المرأة إلى دفة القيادة في أكثر الشركات قيمة في العالم.