اعتاد المقدم محمد أحمد الحمادي الذي يشغل منصب مساعد المدير لشؤون أذونات الدخول والإقامة بـالإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب بدبي، أن ينهي عمله الصباحي ليتوجه في الفترات المسائية إلى جمعية دار البر الإماراتية، التي ينتمي إليها كعضو مجلس إدارة، ويشغل منصب رئيس قطاع المشروعات الخيرية في الجمعية كمتطوع إلى جانب 45 متطوعا من أصل 289 موظفا، والذين يمضون أجمل أوقاتهم في متابعة العمل الخيري، إنه يقول: ما نحن إلا الوسيط الأمين بين أيادي العطاء والمحتاجين، مشيرا إلى المسؤولية الملقاة على عاتقه وإداريي دار البر، في إيصال الأمانة إلى أهلها.
الحمادي وأعوانه كالعين الساهرة على أن لا تضيع سنبلة من تبرعات أهل الخير، التي وصلت مداخيلها عام 2010 إلى 59,500 مليون دولار، أما حجم الإنفاق على المساعدات الخيرية فقد وصل إلى 50,200 مليون دولار، وجعلتها تتصدر قائمة فوربس الشرق الأوسط للجمعيات الأكثر شفافية في العالم العربي، وتخضع هذه النفقات لرقابة أكثر من جهة أهمها الدائرة المالية في حكومة دبي وإدارة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري ووزارة المالية، إضافة إلى الرقابة المالية الداخلية والتي يصفها الحمادي، الحاصل على ماجستير في القانون، وعلى وسام الخدمة المخلصة الطويلة بـالقيادة العامة لشرطة دبي بالـالصارمة وهي السياسة التي يفرضها المتطوعون أنفسهم، فهم يجدون في تحري الدقة وتقصي الحقائق مسؤولية في ما يتعلق بمستحقي النهل من فيض عطائهم.
الحمادي، 38 عاما، يرى أنه من الطبيعي أن يرتبط العمل الخيري بالشفافية المطلقة، وهذا ما تحققه الجمعية في مشروعاتها الخيرية ومصارف أموالها، إنه يصف ذلك بقوله: الشفافية حجر أساس راسخ، ففي دار البر من السهولة جدا متابعة المشروعات الخيرية التي تتبرع له لبناء مسجد، أو حفر بئر ماء، أو بناء مدرسة، وغيرها من المشروعات، من خلال استحداث نظام المراقبة والرصد عبر برنامج غوغل ايرث الذي يسمح لمستخدميه بالاطلاع على صور حقيقة وآنية لسير عمل إنشاء المشروع الخيري على الأرض وفي موقعها، في أي بقعة من بقاع العالم، وفي أي زمان حتى بعد مرحلة إتمامه، الحمادي يقول: من حقك أن ترى مسار مشروعك وأحقية المستفيد منه.
سجل الجمعيات الخيرية أصبح أمرا مهما خصوصا بعد العمليات الإرهابية التي ضربت برجي التجارة العالميين في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، والتي وضعت الجمعيات الخيرية العربية والإسلامية تحديدا في مرحلة مفصلية وحرجة، أتت على بعضها، الحمادي يقول: ما زلنا نعمل بالطريقة نفسها التي كنا نعمل بها قبل أحداث سبتمبر، هو يقصد الشفافية في مواطن التبرعات ومصارفها، لكنه في الوقت ذاته يشير وبثقة تامة إلى زيادة وعي المجتمع بأهمية الجمعيات الخيرية، معتبرا أياها القطاع الثالث الذي يأتي بعد القطاع الحكومي والخاص.
كما أنه يشيد بتقدم الأساليب المميزة التي تستخدمها دار البر في جمع التبرعات والاقتراب أكثر من المتبرعين، ففي حالات معينة تقوم الجمعية بقبول تبرعات لبناء صفوف مدرسية بدلا من انتظار متبرع واحد لبناء مدرسة، أصبحنا نبيع صفوفا مدرسية لكل متبرع، بهذه الطريقة يمكن أن نبني مدرسة كل شهر، يقول الحمادي.
كذلك الحملات الترويجية والإعلانية إضافة إلى البرنامج الإذاعي أبواب الخير، ففي كل يوم جمعة ينطلق مقدمه الإعلامي أحمد الزاهد في تمام الساعة السادسة وحتى الثامنة مساء على إذاعة نور دبي، بما هو أشبه بالمزاد الذي يعلن فيه عن مشروع، وما أن ينتهي البرنامج حتى يكون أهل الخير قد حققوا الهدف المنشود، من تقديم يد العون لمحتاجين في العالم، ويعد هذا البرنامج فرصة طيبة لفعل الخير ينتظره الجميع.
جمعية دار البر التي يرأس مجلس إدارتها المهندس خلفان خليفة المزروعي منذ تأسيسها في العام 1978 وتتخذ من دبي مقرا لها، ويمثل كل عضو من أعضاء مجلس إدارتها رئيسا للقطاع المناط به، تولي جل اهتمامها لأعمال الإغاثة، وترميم البيوت المنكوبة، وحفر الآبار، وبناء المدارس، والمستشفيات وإعانة الفقراء والمحتاجين، والاهتمام بالأيتام بشكل ملحوظ في مختلف المواقع التي يمتد نشاطها إليه، حيث ترعى أكثر من 600 يتيم يعيش على أرض الإمارات، ونحو 26 ألفا آخرين في مختلف دول العالم.
ومن أهم المشاريع التي شرعت دار البر العمل فيها مشروع قرية الأيتام البر، والتي يتوقع الحمادي أن يتم الانتهاء من العمل في تشيده بعد عام ونصف العام، وهي عبارة عن قرية متكاملة للأيتام في البقاع الغربي في لبنان، بتكلفة 1,6 مليون درهم 435,616 دولار لبناء القرية المتكاملة لدار أيتام مثالية، والتي تعود فكرتها منذ 3 سنوات من خلال طرحه في البرنامج الإذاعي الشهير أبواب الخير، حيث قاموا بتجميع تبرعات بقيمة 800 ألف درهم 218 ألف دولار. الحمادي يرى أن ما يميز هذا المشروع هو الدفء الذي يشعر به اليتيم عند إحضار والدته وإخوانه للعيش معه في شقة متكاملة، وإن لم توجد والدته؛ يتم توفير ما اسماه الحمادي بالـالأم البديلة. وسيشمل المجمع مدرسة رسمية وعيادة صحية وجامعا و3 وحدات سكنية وناديا و3 ملاعب وحديقتين لتكون قرية متكاملة خلال سنة ونصف السنة تتسع لـ800 يتيم، يقول الحمادي: ليس لدينا سقف لطموحنا وأحلامنا.
دار البر تعد مشروعا ذات نفع عام، وتندرج ضمن قائمة الجمعيات شبه الحكومية لأن موظفيها يعملون في القطاع الحكومي بالتوافق مع عملهم في الجمعية، كما أنها تحصل على الدعم الحكومي وإن كان يقتصر على الأطر اللوجستية والمعنوية كرعاية حملات التبرعات، لتضمن استمرار دار البر كإحدى أهم الصروح الخيرية في دبي.
الحمادي يجد أنه من الطبيعي أن يتفاعل المتبرعون مع مشروعات دار البر، ويقول: العمل الخيري في الدولة متأصل في شعبها قبل قيام اتحاد إماراتها، فالجمعية تجسد أواصل الترابط الأسري والاجتماعي بين المتبرع والمحتاج، كما أن الجمعية حققت مسألة الثقة والشفافية، وهذا هو أهم الأسباب التي يحرص عليها العاملون في دار البر. إنه يقول: المتبرع هو الأساس في مداخيل الجمعية، مشيرا إلى أهمية خلق الارتياح عند المتبرع والسعادة بالإنجاز ورؤية المشروعات على أرض الواقع.
دار البر قدمت نموذجا من الشفافية للعمل الخيري وها هي مشروعاتها تتناثر كالدرر في مختلف الدول التي فاق نطاقها الحدود السياسية لدولة الإمارات ذات المساعي الرامية للظفر بريادة قطاع العمل الخيري العالمي، الأمر الذي يبث الارتياح لدى الحمادي الذي يرى أن العمل الخيري المنظم يسير في مساره الصحيح في الإمارات ويضيف بقوله: لا أنكر أنها تحتاج إلى أنظمة جديدة، ولن يكون دورها أقل من أي دائرة حكومية أو غير حكومية مؤثرة في الدولة، كما أنه يناشد الجمعيات الشقيقة والمجتمع العربي بدعم الجمعيات الخيرية؛ إما بأموالهم أو بأفكارهم، وفي النهاية يقول معتزا بهذه الإنجازات: الحكومة الراشدة هي التي ترسم السياسة لتعزز التميز في الأداء، فهل تتعامل الحكومات العربية بجدية أكثر مع العمل الخيري كما هي في الإمارات.
|