إن القرويين البالغ عددهم 11 ألفا في روكاشو عند الحافة الشمالية الشرقية من الجزيرة اليابانية الرئيسية لفي نعيم من جوانب كثيرة. ففي حين يعم الخراب والضيق المالي بقية البلدات في تلك المنطقة النائية نرى روكاشو تتباهى بمبانيها العامة الأنيقة ومرافقها الترفيهية التي لا تشوبها شائبة، وبوجود هاتف مرئي مجاني في كل بيت. هذا نادر الوجود في أرض تنوء تحت عبء دين عام ضخم وتتمتع حكومتها بفائض قدره 100 مليون دولار أمريكي. يبلغ دخل الفرد هنا 170 ألف دولار؛ وهذا 3 أضعاف ما نجده في طوكيو.
وأما سر ثراء روكاشو فهو قرارها قبل 30 عاما بأن تستضيف مكب النفايات النووية إضافة إلى استضافة مصانع تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم. عندما وضعت هذه الخطط في ثمانينات القرن العشرين كانت اليابان أعجوبة العالم الاقتصادية، واعتبرت روكاشو مشروع الأحلام. وبجهود كبار سياسيي اليابان ومديري قطاع الطاقة جرى تصوير ذلك باعتباره استفادة من المهارات التقنية والمالية في الدولة من أجل إتمام دورة الوقود النووي؛ وهي دورة تسهم فيها مصانع النفايات النووية التقليدية والمفاعلات التوليدية السريعة ومرافق إعادة التصنيع في روكاشو فتنتج طاقة لا تنضب.
لكن مشروع الأحلام يبدو في هذه الأيام أكثر شبها بدراسة في كيفية إفضاء الطموحات الشرهة والسياسات المالية إلى خلق كابوس مالي. تدير بلدة روكاشو شركة جابان نيوكلير فيول التي هي مجموعة صناعية تقودها شركة طوكيو إلكترك باور كو التي تملك مفاعل فوكوشيما دياتشي الذي أصابه العطب. لا يزال مصنع روكاشو إلى الآن في مرحلة الاختبار فمن المعتقد أنه لا يتلقى إلا كمية بسيطة من النفايات النووية.
لقد تعرضت خطة صناعة الطاقة القاضية بإرسال أطنان كثيرة من الوقود المستنفذ إلى روكاشو من 45 مفاعلا نوويا محليا إلى 18 تأخيرا لأسباب تتعلق بالسلامة حتى الآن، وذلك في بداية عملية إعادة معالجة اليورانيوم. وقد أدت تلك التأخيرات بدورها إلى ترك مصانع معالجة النفايات النووية في اليابان جاثمة فوق 13 ألف طن من النفايات. وما لم يبدأ مصنع روكاشو العمل فقد يستنفذ طاقته التخزينية إلى آخرها خلال سنوات قليلة. وتأمل شركة جابان نيوكلير فيول الآن في بدء معالجة النفايات اعتبارا من أكتوبر/ تشرين الثاني 2012 بعد إنفاق مبلغ إضافي يقدر بنحو 2.5 بليون دولار. وأما مصنع معالجة البلوتونيوم والمفاعلات السريعة وهي أمور هجرتها بقية الدول إلى حد كبير فما زالت موضع شك أكبر.
كان هذا صحيحا حتى قبل زلزال 11 مارس/آذار الذي أطلق أزمة نووية في مفاعل فوكوشيما الواقع عند منتصف الطريق بين روكاشو وطوكيو. وبموجب مراجعة للسياسة النووية أمر بإجرائها رئيس الوزراء ناوتو كان، فمن المرجح أن تحظى روكاشو بنظرة متفحصة لأن أحد أنواع الوقود النووي التي من المفترض أن تقوم بمعالجتها هو مزيج من أكاسيد اليورانيوم والبلوتونيوم يطلق عليه اسم موكس أنتجه مفاعل فوكوشيما رقم 3 في العام الماضي، وهو من أهم الملوثات التي تثير القلق.
وثمة أمر واحد لا تجري إعادة النظر فيه ألا وهو المال الذي استهلكته روكاشو حتى الآن. لقد تجاوزت الكلفة ما كان مقدرا، بل فاقته 3 أضعاف ونيفا إذ بلغت 27.5 مليار دولار. ولابد من ملايين أخرى للوصول إلى تحقيق الطموحات الأولى.
كيف تجنبت روكاشو مصير كل من مكب النفايات في جبل يوكا في ولاية نيفادا، ومصنع إعادة معالجة البلوتونيوم الذي أغلقه الرئيس أوباما عام 2009؟ بدءا من الثمانينات، حشدت صناعة الطاقة الدعم المحلي من أجل إنشاء تلك المصانع في قرية قال نائب عمدتها تاكي جورو تاكادا إنها كانت تدعى منشوريا اليابانية لشدة بعدها.
ومع ازدهار روكاشو جرت تنحية المشككين إلى الهامش! إن صياد الأسماك المتقاعد يوسا بورو تاكادا، البالغ 86 عاما، واحد من القلائل الباقين من ذلك الزمان. لم تسفر الدعوى القضائية التي أقامها ضد المصنع عن أي شيء. وقد جرى إقصاء ابنه عن جميع الوظائف. لقد خاض تاكادا الانتخابات لمنصب العمدة 4 مرات كان آخرها في عام 2002 بعد أن انتحر العمدة السابق في خضم فضيحة تتعلق بالإنشاءات الجارية.
حصل تاكادا على 170 صوتا مقابل 5140 صوتا ذهبت إلى العمدة الحالي كينجي فوروكاوا، وهو من أنصار المرافق النووية في البلدة.
يقول تاكادا: ما كان لنا أن نفوز في مواجهة الدولة والمال.
أما العمدة فوروكاوا وموظفو الشركة فقد أحالوا أسئلتنا إلى عضو مجلس البلدة المؤيد للمرافق النووية فوميو تاكاهاشي الذي قال: قد تنمو الحركة المعادية للطاقة النووية بسبب ما حدث في فوكوشيما. لكننا سوف نزيد تركيزنا على أمور السلامة. لكن لعل من شأن هذا الرأي أن يخضع للاختبار، حتى في روكاشو لأن ثمة كلاما عن احتمال استقبالها الوقود النووي غير المستقر القادم من فوكوشيما.
تنفق المؤسسات الملايين سنوياً لكسب ولاء العملاء في حين يمكنها تحقيق ذلك عن طريق إجراء تعاملاتها بنزاهة وصدق وشفافية، وقد أثبت موقع (أمازون) أنه يتمتع بهذه الصفات لقاء مبلغ زهيد للغاية. فكيف هذا؟