مع تفاقم الأزمات المالية في أوروبا، وتنامي الثقافة التركية المحافظة، لم يعد الاتحاد الأوروبي يمتلك الجاذبية التي كان يستشعرها الأتراك من قبل، لاسيما أن تركيا تتمتع باقتصاد نابض بالحياة. في الحقيقة، يتساءل البعض إن كان ينبغي عليهم عدم التحول كليا عن أوروبا، أو إن كان ينبغي عليهم أن يفعلوا ما يستطيعون فعله لجعل أوروبا هي من يتطلع إلى الوصول إلى تركيا، وليس العكس.
في الواقع، تبدو هذه هي وجهة النظر غير المعلنة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد، والذي يعود له الفضل في بناء الاقتصاد المستقر الحالي في تركيا. هو أيضا الحزب نفسه الذي عمل على تخلي البلاد عن المثل الديمقراطية التي جاء بها أتاتورك من قبل، ومن بين أشياء أخرى، فرض الرقابة على الإعلام، واعتقال وسجن الصحافيين، وإفادات حول تعذيب السجناء، وتزايد حدة التوتر بين الأتراك وأكراد تركيا، واتخاذ إجراءات استبدادية أخرى أدت مؤخرا إلى موجة الاستقالات الجماعية بين القيادات العسكرية في البلاد. في وقت سابق من هذا العام، لخصت روزماري رايتر الوضع في صحيفة ذي ديلي بيست كالتالي:
الكل معرض للهجوم، وليس العسكريون فقط. الصحافيون، والأكاديميون ورجال الأعمال، حتى القضاة أيضا. وكل من ينتقد حزب العدالة والتنمية، أو يطالب بالمساواة أو تقديم امتيازات أكبر للأقلية الكردية، أو أخطر من ذلك، وهو المطالبة بالتحقيق في الاختراقات في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والبيروقراطية التركية من قبل الدولة العميقة من حلفاء حزب العدالة والتنمية، وهي حركة إسلامية ثرية وقوية تديرها قوى ثرية اختارت طوعا إبعاد نفسها إلى الولايات المتحدة بقيادة الإمام فتح الله غولين، الصديق والمعلم لـرئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان.
وكما نوهت صحيفة الـنيويورك تايمز في شهر يونيو/ تموز 2011، فإن موجة الاستقالات بين صفوف العسكريين أثارت المخاوف من إمكانية تسارع وتيرة ما يصفه النقاد بالنزعة الاستبدادية الزاحفة تحت إمرة أردوغان. فالسيد أردوغان لا يمتلك فقط الحرية في تغيير التشكيلة العسكرية، لكن لديه الفرصة الأكبر للفوز بإقرار تغييرات دستورية من شأنها تغيير النهج السياسي هنا لعقود من الزمن.
حتى قبل موجة الاستقالات، اختار أردوغان أن يلعب دور استعراض العضلات ضمن السياسة الخارجية لتركيا، حيث تحدى بشكل علني السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة في إدارة أهم قضيتين لها في المنطقة، وهما برنامج إيران النووي، وعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. هذا التحول جعل من أردوغان بطلا في نظر العالم العربي، لكنه أثار تساؤلات حول ما إذا كانت تركيا ستتخلى عن جهودها الطويلة في السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
قريبا لابد وأن يتضح لنا ذلك. لا يزال الأمل في شراكة تركيا والاتحاد الأوروبي يحدو النخبة المثقفة في اسطنبول والتي زارت على مدار الأسبوع معرض اسطنبول للفنون المعاصرة السادس. إلا أن أغلبهم يعترف، وعلى نحو متزايد، بعدم احتمال تحقيق ذلك. ويبقى هناك إمكانية تحقيق البديل عن ذلك وهو معاهدة الشراكة المتميزة، لكن حتى هذا البديل قد يتلاشى قريبا، نظرا إلى مواصلة الحكومة التركية مقاربتها تجاه إيران، وبقية دول الشرق الأوسط.
في الواقع، الموقف الذي بدأ يعتمده الأتراك بالاعتقاد بأنهم سيكونون بحال أفضل دون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، يشاركهم فيه أيضا العضو البريطاني في البرلمان الأوروبي السابق ريتشارد بالف، والذي خدم لمدة 20 عاما في اللجنة البرلمانية المشتركة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. لقد أعرب بالف خلال مقابلة مع صحيفة حريات التركية في الأسبوع الماضي أنه لا ينبغي على تركيا أن تقول دائما الرجاء أن ترحمونا. لأن الاتحاد الأوروبي، في الحقيقة، يعاني مشكلات كبرى، وفي غضون سنوات سيطلب الاتحاد الأوروبي بنفسه انضمام تركيا إليه. وعدا عن ذلك، تشكل فئة الشباب بين سكان تركيا نسبة أعلى منها في أوروبا. عدا عن كون تركيا بلدا ديناميكيا. دائما يسألوني في أوروبا، من سيدفع لي مخصصات التقاعد إن لم نسمح لتركيا بالانضمام لنا؟
علاوة على ذلك، فاقتصاد تركيا المزدهر، والذي تحقق بفضل التوازن في الضرائب المنخفضة والنفقات الحكومية المنخفضة، والذي نوهت له الـبي بي سي مؤخرا على أنه يتمتع بمعدلات نمو اقتصادي تقارب الصين لهو مثال يحتذى لأولئك الذين يناضلون من أجل حياة أفضل من خلال ثورات الربيع العربي. وكما تقول صحيفة الـنيويورك تايمز.
بالنسبة للكثيرين الذين يعيشون في أوروبا العاجزة والغارقة في الديون، تثير النهضة الاقتصادية لتركيا سؤالا جديدا تماما: من يحتاج من– أوروبا أم تركيا؟
وهذا تحول مذهل لاقتصاد كان قبل 10 أعوام فقط يعاني عجزا في الميزانية بنسبة %16 من الناتج المحلي الإجمالي، ومن نسبة تضخم تصل إلى %72. ويعتبر هذا النمو أحد العوامل التي أدت إلى وصول أردوغان إلى السلطة، والذي جمع ما بين الثقافة الاجتماعية المحافظة والسياسات الاقتصادية الحذرة ماليا، حتى يصبح حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أكثر الحركات السياسية المهيمنة في تركيا منذ الأيام الأولى لتأسيس الجمهورية.
وهذا التطور التام، هو ما جعل تركيا الآن أقرب إلى تحقيق معايير اعتماد اليورو، إن كانت ستنضم في يوم من الأيام إلى الاتحاد الأوروبي، أكثر من معظم الاقتصادات الأوروبية المضطربة المنضوية بالفعل تحت مظلة نفوذ اليورو.
وبالتالي، بدأ بعض الأتراك، سواء في تركيا نفسها أو هؤلاء الذين يعيشون أو حتى ولدوا في أوروبا، بالتفكير في إمكانية اعتماد خيارات أخرى: أن تبدأ أوروبا، أو إقناعها بالبدء، في اعتماد ما يسمى بالحكومة الإسلامية المعتدلة في تركيا كنموذج وطريق متميز لتحقيق الاستقرار السياسي، والذي تسعى إليه حاليا الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. مع الأخذ بعين الاعتبار تعويذة إنه الاقتصاد يا غبي، فهم يعتقدون ويأملون وكذلك بالنسبة لبعض المسلمين الأوروبيين الآخرين، أن يضع الأوروبيون مخاوفهم الاقتصادية في المقدمة قبل مثلهم السياسية القديمة من أجل اعتماد نهج جديد للحكومات والمجتمعات، كنوع من قبيل حركة احتلوا وول ستريت مع مسحة إسلامية. مشاهد النمو الحالي ونجاح النموذج المصرفي الإسلامي في المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى تدعم تأكيدهم على أن أوروبا قد تستفيد من مستقبل متأسلم يقوم على أساس النموذج التركي.
هل يبدو ذلك منافيا للعقل السليم؟ ليس كذلك أبدا. وهذا ما حققته فكرة الثورات التي أدت إلى إقصاء القذافي ومبارك. في غضون ذلك، فإن الرسالة التي يقدمها أردوغان للأوروبيين الأتراك، ويشملون أولئك الذين ولدوا وعاشوا في دول الاتحاد الأوروبي، هي دائما دعوة إلى تجنب المحاكاة وتقليد الثقافة الأوروبية، والتي يسميها جريمة ضد الإنسانية، وأن يعودوا إلى جذورهم وتراثهم التركي في أسرع وقت. ومع تجاوز الشباب الأتراك الأوروبيين العشرينات والثلاثينات من أعمارهم، فإنهم يدخلون بشكل متزايد في المحاور السياسية، وستعمل دعواته في حثهم، إن استطاع أن يلعب بأوراقه بشكل صحيح، على إعادة تشكيل أوروبا الجاهدة في البحث عن الذات والروح السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال العقد المقبل، ليصل بها إلى الاقتصاد الذي ترغبه الحكومة اليمينية الحالية التي يقودها، معتمدا تماما على بناء الكيانات السياسية والمجتمعية نفسها التي تخشاها هذه الحكومات الأوروبية.
إن الرضا والقبول هما أساس القناعة في هذه الدنيا. وليس لأحد أن يبلغ السعادة أو يهنأ بطيب العيش من غير رضاه بقسمته من الدنيا وقبوله لها، ومن دون تذمر أو قنوط أو شعور بالظلم.