بالطبع، إن التغيير الجذري الأهم الحاصل اليوم، هو ذاك الذي طال عادات الأجيال الشابة التي نشأت على ثقافة الإنترنت. وهذه الفئة، تشتمل على عدد كبير من القراء - إن لم يكن الجزء الأكبر منهم - خصوصا أن %55 من مجموع السكان في الوطن العربي تقل أعمارهم عن 25 عاما. وحسب تقرير أعدته أخيرا شركة فاليو بارتنرز للاستشارات الإدارية ونشره نادي دبي للصحافة، فإن %41 من السكان في مصر ولبنان والسعودية والإمارات، يقرأون الأخبار في الصحف المطبوعة، في حين يقول %40 آخرون إنهم يطالعون الأخبار عن طريق المواقع الإلكترونية. وفي هذا الصدد يعتبر إيمانويل دورو، كبير المديرين في فاليو بارتنرز ، أن الحضور على الإنترنت هو المفتاح الرئيس الذي يجب على الصحف في المنطقة أن تستخدمه، إذا ما أرادت جذب الجيل الجديد من القراء.
فوربس - الشرق الأوسط أجرت دراسة موسعة حول المواقع الإلكترونية للصحف الناطقة بالعربية والإنجليزية والفرنسية في 16 بلدا عربيا، تناولت الشعبية التي يتمتع بها كل من هذه المواقع، والخصائص التي تميز الواحد عن الآخر، وكذلك قدرته على جذب الأعداد المتزايدة من مستخدمي الإنترنت. وقد تمخضت نتائج هذه الدراسة عن إعداد قائمة بأقوى 50 صحيفة في العالم العربي حضورا على شبكة الإنترنت، تصدرتها في المركز الأول صحيفة اليوم السابع المصرية.
أما المنهجية المعتمدة في هذا التصنيف المركب للصحف الـ50، فقامت على دراسة أربعة عوامل رئيسة هي التالية:
أولا، التصنيف المحلي أو المرتبة التي تحتلها كل صحيفة بين أول 100 موقع إلكتروني من حيث الحصة السوقية وعدد الزوار وذلك حسب ما ورد في بيانات شركة المعلومات الشبكية أليكسا . ثانيا، التصنيف العالمي أو ترتيب الموقع الإلكتروني للجريدة على مستوى العالم، حسب بيانات الشركة ذاتها. ثالثا، زخم النمو أو معدل النمو المسجل في حركة الزوار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة. أما العامل الرابع، فتمثل في القدرات والخصائص التقنية للموقع عموما، بما في ذلك سهولة تصفحه والإبحار فيه.
وأما عملية التحليل والتدقيق التي أجراها فريق الأبحاث في فوربس – الشرق الأوسط للوقوف على مدى سهولة التصفح والإبحار في المواقع الإلكترونية لهذه الصحف، فقد أخذت في عين الاعتبار مجموعة من العناصر التقنية، كتطبيقات الهاتف النقال والـآي باد، وتوافر خدمة الفيديو على المواقع، ومحركات البحث في أرشيف الصحف نفسها، والوقت الذي تستغرقه عملية التحميل، وسهولة الإبحار والانتقال من صفحة إلكترونية إلى أخرى.
لا بد من الإشارة إلى أن نمو صناعة النشر على مستوى العالم، يقتصر اليوم على نطاق الخدمات الإلكترونية فحسب. وفي هذا الصدد، تشير التوقعات إلى أن نسبة نمو العائدات التي يولدها عن هذا النوع من الخدمات ستصل إلى %13 على مدى ست سنوات تنتهي في العام 2013، في حين أن الإنفاق الإعلاني عبر جميع وسائل الإعلام الأخرى سيتراجع، أو سيحافظ على مستواه الحالي في أحسن الأحوال. وكذلك، تجدر الإشارة إلى أن عائدات المواقع الإلكترونية في العالم العربي، لا تشكل سوى %2 من إجمالي الإنفاق الإعلاني في المنطقة.
إلا أن كل هذه المعطيات، لن تحتاج إلى وقت طويل كي تتغير وتتبدد، حيث من المتوقع أن تواصل مواقع الصحف الإلكترونية سحب البساط، ولو بشكل بطيء، وإنما بثبات، من تحت أقدام الصحف والمجلات، عبر زيادة عائداتها من الإعلانات الإلكترونية على حساب نظيرتها التقليدية. فعلى سبيل المثال، سوف تتقلص حصة المطبوعات الصحف والمجلات من عائدات الإعلانات بمعدل %6 خلال الفترة من 2007 و2013، في مقابل زيادة عائدات الـأون لاين بمعدل %8.4 بين العامين 2009 و2013، حسب تقرير فاليو بارتنرز. ويتضح هنا أن الصحافة المطبوعة سوف تحافظ على حصة الأسد في سوق الإعلانات، وبواقع %49، مقابل %4 لإعلانات المواقع الإلكترونية، إلا أن الاتجاه العام للسوق يميل نحو تفضيل الإنترنت.
وإذا كانت هذه الصناعة قد بلغت مرحلة مختلفة من التطور في الدول الغربية مقارنة بالصحافة المطبوعة، فإن ناشري الصحف في الوطن العربي يواجهون المآزق ذاتها التي يواجهها نظراؤهم الغربيون عندما يتعلق الأمر بابتكار نموذج أعمال إلكتروني ذي تكلفة مادية معقولة، مع المحافظة في الوقت نفسه على المصداقية المكتسبة في الصحافة المطبوعة.
فهل يبادر أصحاب المؤسسات الصحافية، كما فعل روبرت مردوخ مالك نيوز كورب التي تصدر صحيفتي التايمز اللندنية ووول ستريت ، إلى فرض رسوم على زوار مواقع صحفهم مقابل تصفحهم للموضوعات المنشورة بدلا عن تقديمها لهم مجانا؟ أم أن من الحكمة اعتماد نموذج الدخول المجاني لزيادة حركة الزوار، وبالتالي التعويل على عائدات أعلى من الإعلانات الإلكترونية؟
فوربس – الشرق الأوسط سألت ناشرين ومحررين صحافيين ما إذا كانوا يؤيدون فرض رسوم على محتوى مواقعهم الإلكترونية. الدكتور وليد مصطفى، ناشر صحيفة اليوم السابع الذي يقف في معسكر مؤيدي الدخول المجاني، يجيب عن هذا السؤال بالقول: منذ أن عرف الناس الإنترنت، اعتادوا على كونها مجانية. أعتقد أن فرض الرسوم مناف للثقافة السائدة.
محمود قرالة، مدير تحرير الموقع الإلكتروني وقسم المعلومات في جريدة الرأي الأردنية، يرجح أن يبقى محتوى موقعه مجانيا خلال السنتين المقبلتين. أما عبد الحميد أحمد، رئيس تحرير صحيفة جلف نيوز الإماراتية -الأعلى تصنيفا بين صحف دولة الإمارات، حسب قائمة فوربس - الشرق الأوسط لأقوى 50 صحيفة حضورا على الإنترنت، فيقول إنه منفتح على احتمالات التطوير.
وأبدى عمر زريان، مدير تحرير الموقع الإلكتروني لجريدة الشروق الجزائرية تقبله للفكرة قائلا أتقبل هذه الفكرة، لكن وفي الوقت الحالي استراتيجية الإعلان التي نتبعها في موقعنا تبلي البلاء الحسن.
لكن، هناك آخرون لديهم نظرة مختلفة. فوديع تويني مثلا، مدير قسم تقنية المعلومات وتطوير الأعمال في جريدة النهار اللبنانية، يعتبر أن الصحف في الوطن العربي أقدمت على خطأ كبير حين عرضت محتواها مجانا على الإنترنت.
مهما يكن نموذج الأعمال المعتمد، فإن الأهم بالنسبة إلى أي مؤسسة تعمل في مجال الصحافة والنشر يبقى جودة الصحافة نفسها، وأصالتها، ورونقها. لكن، هنا أيضا، تختلف وجهات نظر العديد من الناشرين حول كيفية الارتقاء بمهنة الصحافة وتطويرها. وفي هذا السياق، يعول محمد عليان، الناشر في جريدة الغد الأردنية، على قوة الاسم التجاري الذي تحمله الصحيفة. لكنه في الوقت ذاته، يحاول تقييم الكتاب والمحررين لديه بناء على تفاعل القراء وتعليقاتهم على موضوعاتهم، وقدرة هذه الموضوعات على جذب الزوار إلى الموقع الإلكتروني للصحيفة.
لكن في المقابل، يعارض عبد الحيمد أحمد من جلف نيوز فكرة الربط بين كفاءة الصحافيين وقدرة مواضيعهم على جذب الزوار. ويقول في هذه الحالة، نكون أمام خطر كبير يتهدد جودة ومصداقية المحتوى الذي لا بد وأن يتأثر إذا ما أصبح منقادا للفئات الشعبية. وبالطبع، ليس هذا ما نطمح إليه.
اسم واحد تكرر على ألسنة الناشرين والمحررين لدى سؤال فوربس - الشرق الأوسط لهم عن المؤسسة التي يعتبرونها الرائدة عربيا في مجال الصحافة الإلكترونية. لقد أشار الكثيرون إلى الجزيرة القطرية، نظرا إلى مساهمتها في تغيير وجه الصحافة ومكانتها على مستوى الوطن العربي.
مقارنة بنظرائهم الغربيين، لا شيء يدعو إلى قلق الناشرين العرب على مصير مطبوعاتهم في المستقبل القريب. فالتوقعات تشير إلى نمو الصحف في منطقتنا، سواء لجهة ظهور أسماء جديدة أو لجهة العائدات الإعلانية. وفي مثل هذه الظروف، فإن القضية الأساسية تتمحور حول ما إذا كانت المؤسسات الصحافية راضية عن أدائها، أم لا.
كل هذه الأسباب تجعلنا نثني على الجهود التي يقوم بها ناشرو الصحف التي تضمنتها قائمة فوربس – الشرق الأوسط لأقوى 50 صحيفة حضورا على الإنترنت، وكذلك على تطلعهم للمستقبل
أعلن البنك الدولي عن أفضل بلدان العالم من حيث تواجد المناخ المهيّأ لتأسيس مؤسسة وإدارتها، وذلك اعتماداً على النظام الضريبي والقوانين وسياسة الائتمان وعوامل أخرى هامة في كل دولة