|
قصص نجاح
| المشاهدات : 2301 مشاهدة
| تاريخ: 4/2011
| العدد: 6
|
|
رجـل المال والسياسة
|
|
|
بقلم : زينة مخيبر
|
ذات يوم من أيام يناير/ كانون الأول، بينما كان متظاهرو مصر يبدأون ثورتهم في ميدان التحرير، كان يجرى تحول سياسي آخر أكثر هدوءا وسلمية على مسافة مئات الكيلومترات على سواحل المتوسط إلى الشمال الشرقي من القاهرة. ففي نقلة مفاجئة، حل نجيب ميقاتي محل سعد الحريري في منصب رئيس الحكومة المنتخب في لبنان عقب انهيار حكومة الحريري. ليس التغيير بجديد أبدا في هذا البلد الصغير الذي أنهكته سنوات من الصراع السياسي. ولكن ما هو غير مألوف هذه المرة، هو ان لبنان اليوم لديه رئيس وزراء جديد هو ايضا ملياردير مثل الرئيس السابق.
وقد بنى الاثنان ثروتيهما على نحو مشروع قبل تولي المنصب السياسي. لقد جاءت ثروة الحريري بالوراثة عن أبيه، أما ثروة ميقاتي فقد صنعها بنفسه. ولا يشبه أي منهما مبارك، إذ إن الشعب في لبنان لا يتجاوز 4 ملايين عددا لكن هذا البلد يضم أكبر تركيز لأصحاب المليارات نسبة إلى حجم الناتج المحلي الإجمالي. إن مليارديرات لبنان الستة، وكلهم من أسرتي الحريري وميقاتي، يملكون مجتمعين ما يناهز 13 مليار دولار، أي %22 من حجم الناتج المحلي الإجمالي في البلاد. ويطيب للبنانيين الفخر بأن أغنى أهل الأرض قاطبة هو المكسيكي المنحدر من أصول لبنانية كارلوس سليم، الذي هاجر والده إلى المكسيك قادما من قرية صغيرة في جنوب لبنان.
إن نجيب ميقاتي البالغ 55 عاما يدير مع شقيقه طه البالغ 66 عاما نوعا آخر من المقدرة العائلية في بلد لا ينظر أثرياؤه إلى الاستفادة من السياسة في جني الأرباح نظرة استنكار. صحيح أن لآل ميقاتي حصة في مصرف لبناني كبير تبلغ قيمتها 349 مليون دولار، وصحيح أنهم يبنون مجمعا مكتبيا سكنيا في بيروت تقدر قيمته بنحو 250 مليون دولار، لكن قيمة الأصول التي يملكونها في لبنان لا تتجاوز %10 من ثروتهم إلا قليلا. بل إن نجيب لا يملك حتى محطة تلفزيونية مثلما هو الحال عند كبار الساسة اللبنانيين جميعا بمن فيهم سعد الحريري. أما في ميدان السياسة فإن نجيب ميقاتي يحرص على الوسطية دائما فهو لا يناصر سورية ولا يناوئها. لقد صب رفيق الحريري، والد سعد، عندما كان رئيس حكومة لبنان في التسعينيات أموالا طائلة في إعادة بناء وسط بيروت قبل اغتياله الوحشي بقنبلة مزروعة في الطريق عام 2005. وسعى الرجل من أجل سن قانون لإقامة شركة استثمارية عقارية متداولة الأسهم كان يملك نسبة منها.
يقول عزمي طه ميقاتي البالغ 38 عاما: إن في لبنان فرصا كثيرة حقا؛ لكن عمي صرف نظره عنها لأننا أردنا تجنب تضارب المصالح عندما دخل نجيب معترك السياسة خلال عام 1998. يقوم عزمي بدور الناطق باسم عمه المنشغل الآن في تشكيل الحكومة.
تقدر فوربس ثروة الأخوين ميقاتي بنحو 2.8 مليار دولار لكل منهما. ويرتبط معظم هذه الثروة بالمجموعة البيروتية مجموعة م1 التي تملك شركات للاتصالات والأزياء والتنقيب عن النفط في جنوب أفريقيا وكولومبيا وفرنسا. ويتولى عزمي الإدارة اليومية المباشرة لعمليات هذه المجموعة بصفته مديرها التنفيذي الأول، لكنه يرفض الإفصاح عن حجم إيراداتها.
تعتبر مجموعة م1 أكبر صاحب أسهم في إم تي إن التي هي أكبر شركات الهاتف المحمول في أفريقيا. وتبلغ حصة المجموعة فيها 3.5 مليار دولار. وتملك المجموعة أيضا عقارات ممتازة في نيويورك ولندن تبلغ قيمتها مليار دولار. وقد دفعت المجموعة في عام 2007 مبلغ 210 ملايين دولار لشراء فاسونابل من نوردستروم، وهي شركة لبيع الملابس الفرنسية الراقية. ويتولى ماهر نجيب ميقاتي إدارة قسم الأزياء في مجموعة م1.
بدأ صعود هذه الأسرة قبل أربعين عاما عندما أسس المهندس المدني طه ميقاتي شركة إنشائية في أبوظبي. وفي أواخر السبعينيات قرر الرجل أن يعمل انطلاقا من بيروت لأنه أراد أن يتعلم أبناؤه في مدارس لبنانية. كانت تلك سنوات المعاناة من الحرب في لبنان. وكانت الخطوط الهاتفية تتعطل في أحيان كثيرة فتزداد صعوبة اتصال الرجل
بمكتبه الرئيسي في أبوظبي، فما كان منه إلا أن اقتنى هاتفا يعمل عبر الأقمار الاصطناعية ونصب صحنا لاقطا على سطح مكتبه.وفي عام 1982 غزت إسرائيل لبنان لضرب منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ياسرعرفات فنالت بيروت ضربة كبيرة من ذلك. تم تدمير قسم كبير من البنية التحتية في لبنان فما عاد فيه كهرباء ولا ماء ولا اتصالات. وعلى نحو مفاجئ صار الناس كلهم يريدون اقتناء صحن لاقط كالذي عند طه ميقاتي. اشترى طه كمية من هذه الصحون وباع 50 صحنا لأصدقائه ومساعديه فما كان من شقيقه الأصغر نجيب الذي يحمل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية في بيروت إلا أن اقترح عليه المضي في هذا العمل. أقام الشقيقان شركة أطلقا عليها اسم إنفستكوم، لكن جعل أعمال هذه الشركة تنطلق حقا كان أمرا صعبا لأن سعر وحدة الهاتف الفضائي كان 50 ألف دولار أمريكي وكانت كلفة الدقيقة الواحدة من الاتصالات الدولية تبلغ 10 دولارات. وهذا ما دفع الشقيقين إلى إقامة شبكة للهاتف الخليوي. كانت حكومة لبنان واهية مضطربة في ذلك الوقت وما كانت تمنح تراخيص رسمية، لكن هذا لم يوقف الأخوين ميقاتي. وفي عام 1994 فازا، مع شركة فرانس تيليكوم بترخيص شرعي لإقامة شركة للهاتف الخليوي في لبنان وتشغيلها ثم نقلها إلى ملكية الحكومة اللبنانية.
أدرك آل ميقاتي أنهم صاروا قادرين على نقل خبراتهم إلى بلدان أفريقية حيث توجد مخاطرة عالية وحيث لا وجود للبنية التحتية.
يقول عزمي: هذا شيء صرنا معتادين عليه. كان الناس يظنون أن الأغنياء وحدهم يستطيعون تحمل كلفة الهاتف المحمول. لكن أبي كان يقول لي: هل ترى كيف يملك كل إنسان ساعة يد؟ سترى، بعد 10 أو 15 عاما أن كل شخص سيكون لديه هاتف محمول، مثل وضع ساعات اليد تماما.
كان أكثر مشاريع آل ميقاتي نجاحا في جمهورية غانا حيث أقامت شركة إنفستكوم أبراج الهاتف الخليوي في حين ظل تركيز منافستيها منصبا على العاصمة أكرا. انتهى الأمر بـإنفستكوم بأن حازت الحصة الأكبر من السوق وصارت غانا أكبر مورد للدخل لديها. وقد أدارت إنفستكوم شبكات الهاتف الخليوي في ليبيريا وبنين وغينيا بيساو وغينيا كوناكري والسودان.
وفي عام 1998 دخل نجيب ميقاتي ميدان السياسة فأصبح وزيرا للنقل والأشغال العامة. وقد سلم مقاليد إنفستكوم إلى ابن شقيقه عزمي الذي يحمل شهادة في الهندسة المدنية من جامعة كولومبيا. ثم أعلنت الحكومة السورية عام 2000 أنها تبحث عن شريك من أجل اختبار شبكة لاسلكية جديدة تخدم 60 ألف مشترك. كان هذا ترتيبا غير مألوف: يقوم العارضون بتركيب الأبراج وتشغيلها في حين تأخذ الحكومة الإيرادات كلها. لم ترغب شركات كثيرة في قبول هذه المخاطرة، لكن إنفستكوم قبلتها واستثمرت 20 مليون دولار في شراكة مع شركتي إريكسون وسيمنز المصنعتين للمعدات المستخدمة. وبعد سنة واحدة نالت الشركة ترخيصا مربحا من أجل تشغيل الشبكة بالتعاون مع شركاء سعوديين، وذلك في مناقصة مفتوحة.
صار نجيب ميقاتي صديقا لـ بشار الأسد نجل الرئيس السوري أواسط التسعينيات؛ أي قبل سنوات من استدعائه ليحل محل والده القوي في رئاسة سورية. يقول عزمي: لا أستطيع الجزم إن كانت هذه الصلة قد ساعدتنا. وكان بذلك يوضح أن العمل الثلاثي قد نجح: كان عمي خارج العملية؛ لذلك لم تكن لصلاته أهمية حقيقية.
ظل نجيب ميقاتي في عالم السياسة ورشح نفسه للنيابة عن طرابلس في عام 2000 ففاز في الانتخابات معتمدا موقفا مواليا لسورية فيه من المرونة ما يكفي لتجنب الأضرار التي يمكن أن تصيبه عندما تعرضت سورية للضغط عقب مقتل رئيس الوزراء الحريري في عام 2005. قامت مظاهرات شبيهة بما جرى في مصر فأرغمت الجيش السوري على الخروج من لبنان بعد تمركزه هناك مدة 30 عاما. وقد أفضت سياسات ميقاتي المعتدلة إلى تكليفه برئاسة الوزراء لفترة مؤقتة من أجل الإشراف على انتخابات جديدة من غير تدخل سوري. وقد نجح في هذا ثم تابع حياته البرلمانية.
وفي رسالة مفتوحة وجهها إلى اللبنانيين عقب تخليه عن رئاسة الحكومة عام 2005، قال ميقاتي: إن الوطن يستحق ولاء مواطنيه من غير توقع شيء في المقابل، ومن غير حدود أيضا. تستحق البلاد كل التضحيات مهما تكن كبيرة بدءا من تجاوز المصالح الشخصية الراهنة وصولا إلى نبل الشهادة.
وفي تلك السنة نفسها صارت أسهم إنفستكوم متداولة في البورصة اللبنانية. وكان هذا أكبر طرح لأسهم شركة شرق أوسطية على الاكتتاب العام في لبنان وأول تداول لأسهم شركة لبنانية في بورصة دبي العالمية ناسداك دبي حاليا. جنت إنفستكوم 770 مليون دولار من ذلك إذ جرى تقييم الشركة بنحو 3.3 مليار دولار. وفي مايو/ آيار 2006 اشترت شركة إم تي إن الجنوب أفريقية حصة ميقاتي البالغة %70.6 مقابل 5.5 مليار دولار.
إن نجيب ميقاتي، وهو مسلم سني، يجهد الآن لتشكيل حكومة جديدة. لقد انهارت حكومة سلفه سعد الحريري بعد انسحاب وزراء المجموعة الإسلامية الشيعية المسلحة، حزب الله، من الحكومة بسبب رفض رئيسها نتائج المحكمة الدولية الخاصة المقامة للتحقيق في اغتيال والده. ويجرى الآن تقديم القرار الاتهامي الذي أعدته هذه المحكمة. ومن المتوقع أن ترد فيه أسماء أعضاء من حزب الله. يخشى اللبنانيون أن يتحول الأمر إلى صدام بين الشيعة والسنة. ويحاول ميقاتي البقاء على الحياد كما فعل دائما. لكن هذا يكاد يكون مستحيلا في بلده مهما يكن لدى المرء من مال.
|
|
|
|
|
|
|
مواضيع أخرى في قسم إسلوب حياتك
|
 |
| |

|
| على الرغم أن لأبل صدى كبير في عالم التكنولوجيا إلا ان الهواتف الذكية المتنوعة تماثل هواتف (أيفون) جودة إن لم تكن أفضل. وعدم التفرّد بمزيّة عن الآخرين سيقلل من حصة هواتف (أيفون) وشركة (أبل) بشكل عام في السوق. |
| بقلم : غريغ ساتيل
|
|
|
|
|
|