|
سياحة وسفر
| المشاهدات : 1441 مشاهدة
| تاريخ: 11/2011
| العدد: 12
|
|
24 ساعة من العزلة
|
|
|
بقلم : حازم سالم الضمور
|
تحركت أنا ورفاقي ظهرا من العاصمة الأردنية عمان إلى منطقة الدوار السابع التي تبعد عن وجهتي 187 كيلو مترا باتجاه الجنوب عبر طريق البحر الميت الذي يعتبر أخفض بقعة عن سطح البحر في العالم، وتزين شاطئه كثير من الفنادق مثل منتجع البحر الميت العلاجي وفندق كيمبنسكي العالمي حيث توقفنا قبله بـ12كيلو مترا لتعبئة الوقود بـ70 دولارا حتى نصل إلى وجهتنا، وقبيل العقبة بـ100كلم الواقعة على البحر الأحمر وصلت إلى ما يسمى مثلث قريقرة الذي كان يحوي نقطة تفتيش عسكرية سابقا ثم أخذت طريقا فرعية يسارا لأعبر من خلال تجمع قرى الرشايدة إلى وادي فينان لنكون في نزل فينان البيئي الذي بني عام 2005، وهذا اسمه المثبت على اللوحات الإرشادية المرافقة للطريق الموصل للنزل.
يعتبر الوادي المدخل الغربي الجنوبي لـمحمية ضانا الطبيعية التي تأسست عام 1989 كأكبر محمية طبيعية في الأردن في محافظة الطفيلة، تحوي خدمات التخييم والنزل، ولكن الطريق إليها على الرغم من قصره 14 كيلومترا، إلا أنه لا يسار فيه إلا مشيا على الأقدام.
بدت الطريق ملونة بأطياف الرمال الصحراوية، يرافقك على يمين الطريق البحر الميت، وعلى يسار جزء كبير منه محمية الموجب الطبيعية مع انعكاسات الشمس وحزمها المتموجة بين لحظة وأخرى. ما هي إلا ساعتان تقريبا حتى وصلنا نقطة الاستقبال للزوار في قرية قريقرة وهناك تضع سيارتك في المواقف المخصصة للزوار كي تستأجر سيارة دفع رباعي مقابل 14 دولارا تأخذك إلى النزل نظرا إلى وعورة الطريق وقسوتها، وحرصا من القائمين على النزل أن تبقى الطريق صعبة كي تحافظ الطبيعة والبيئة على معالمها وشكلها وخصوصيتها.
في نقطة الاستقبال كان في انتظارنا نبيل الترزي، البالغ من العمر 40 عاما، الذي تدير شركته شركة الفنادق البيئية هذا النزل في الأصل مملوك لـالجمعية العلمية الملكية لحماية البيئة. الترزي، مهندس البرمجيات، هرب من مكتبه في كندا بعد عدم احتماله الحداثة والتكنولوجيا بعد 17 عاما؛ فحمل حقيبته وراح يطوف البلدان من إفريقيا إلى آسيا إلى أمريكا اللاتينية، إلى أن اكتملت رحلته حين تعرف إلى فينان ليستقر ويبدأ حياته الجديدة وشغفه بالبيئة هناك. استقبلنا ببشاشة ليكون مرشدنا إلى فينان ومحور حديثنا في أثناء الرحلة عن تفاصيل النزل والطريق والمعالم المرافقة له. بمجرد أن تحركت بنا السيارة ذات الدفع الرباعي بدأت الرحلة الحقيقية بين مكونات الصحراء من صخور الجبال، وعلى مرأى من أطلال الكنائس القديمة التي تعود إلى العهد الروماني، وما زال أثار الزلازل الذي ضرب المنطقة قبل آلاف السنين واضحة على حجارتها، في ذلك الوقت كان وادي فينان مصدرا مهما للنحاس تاريخيا، لم يكن بوسعي الوقوف محايدا أمام التفاعل العميق بين الطريق وانعكاسات ضوء الشمس التي كانت تحضر وتتماوج متكيفة مع انحناءات الطريق الآمنة التي سلكناها معا قبيل وصولنا إلى النزل بعد 8 كيلو مترات لتظهر مهابة البناء وأقواس نوافذه المتناغمة للإفادة القصوى من طاقة الضوء والمكان بالنسبة لزوار النزل والعاملين على خدمتهم في الوقت ذاته.
وصلنا النزل الذي تميز بهدوئه المتمم بأناقة الجبال المحيطة كالمعصم التي تحميه من رياح الصحراء وسيولها المفاجئة أحيانا والتي نادرا ما تزدهر حتى في موسم الشتاء، إلا أنه يثير فضول الاستكشاف. دخلنا ردهة الاستقبال وتأكدنا من حجزنا الذي أجريناه من خلال موقع النزل الإلكتروني فينان دوت كوم ، وما هي إلا دقيقة حتى أتى الطاهي حسين حاملا معه شاي فينان البارد الخاص والمكون من 9 أعشاب تنمو كلها في فينان تحمل نكهة الحياة البرية بكل تلاوينها وذوائقها.
المبنى الذي تم تشييده من مزيج من التربة وموارد البيئة المحلية؛ فكانت الأدوات الأولية والتراب والطوب الصخري وبلاطه من صخور المنطقة، يتمتع بالخصوصية وحميمية النسيج العمراني للطبيعة الحاضنة للمبنى، خصوصا الباحة الداخلية ومكوناتها الخدمية التي اختيرت وبعناية لافتة كلا من الأثاث القديم والكتب وموقد النار المتسيد صالة الجلوس بمقاعدها الوثيرة والملونة، مدعمة بإنتاج مصنعي الشموع والجلود الملحقين والرافدين للنزل بما يحتاجه من هاتين المادتين. نعمق النظر في التوزيع المتوازن لأدوات وطاقة ألوان الأثاث قبيل مغادرتي الصالة الداخلية الآسرة نحو صالة الطعام المكونة من جزءين؛ داخلي وخارجي وتطل مباشرة على سلسلة من الجبال ذات البلاغة في صمتها.
بدأت جولتنا في الغرف التي بنيت بطريقة ومساحة مختلفة من حيث الأثاث البسيط والمرفه، حيث تتواءم مع التوزيع الجغرافي الأنيق للأسرة وإطلالات النوافذ التي نجح مصممها في توزيعهما بدقة متناهية، ويبلغ عددها 26 غرفة تشبه كل منها بصمات اليد في الكف الواحدة؛ فلكل منها بصمة مميزة في مدخلها وألوانها المتآخية ضمنا مع مكونات البيئة المحلية وجلود الماعز التي تزين طاولات الغرف، وتصنع من قبل أبناء المجتمع المحلي الذين تم تدريبهم من قبل إدارة النزل وبخبرات نوعية متخصصة ضمن حرم النزل نفسه تجسيدا عمليا لمفهوم التمكين الاقتصادي والمهاري لتقديم خدمة منافسة لمرتادي النزل من مختلف الجنسيات الأجنبية والعربية الذين يدفعون 100 دولار مقابل الليلة الواحدة مع وجبة إفطار، ويشمل النهار رحلة عبر مسارات صحراوية عدة تنظمها إدارة النزل.
إحدى برامج فينان المميزة أن يأخذوا الزوار إلى مسار غروب الشمس المسمى بممر الغروب، وكأننا على موعد معها، هذا المسار الذي يستمر 20 دقيقة مشيا على الأقدام للوصول إلى أعلى هضبة موازية للنزل برفقة الدليل السياحي حسين العمارين، البالغ من العمر 32 عاما، من سكان المنطقة، متزوج من فتاة بلغارية الجنسية، أتت قبل 5 سنوات لزيارة المكان، وهو عارف بتفاصيل المنطقة وتاريخها يحدثنا مشيرا إلى هضبة قريبة وموازية لمسارنا أن هذه النقطة هي أول بصمات الإنسان التاريخية للاستقرار من دون تنقل منذ 4000 سنة ق.م، ويوجه نظرنا إلى آثار مخيمات البعثات الاستكشافية التي تبحث في علم الانثروبولوجيا علم الإنسان في المنطقة، وعند وصولنا إلى آخر المسار بدأ حسين يجهز الشاي البدوي على النار ممزوجا برائحة الحطب، احتسيناه ونحن نستمتع بمنظر الغروب، حيث تتوارى الشمس شيئا فشيئا خلف الجبال والوديان.
مع بداية نزول الليل في المكان يقودنا المسار رجوعا إلى أروقة النزل تحضيرا لأجواء الإقامة الليلية التي تفتقد الكهرباء إلا لحالات الطوارئ فقط، لتعطي النزل خصوصية وميزة بيئية أيضا فتكون الشموع، البالغ عددها 3000، بأطيافها المرتعشة حول نفسها، هي المصدر الوحيد للضوء، معلقة على أقواس الممرات الداخلية التي توزع ماشييها على مرافق النزل المختلفة.
الشموع تصنع في معمل بجانب النزل من قبل سكان المجتمع المحلي. نتجهز لأخذ خبرة وتجربة ليلية في صحراء هادئة نهارا؛ فكيف تكون ليلا؟ لننتقل إلى فترة العشاء بمكونات البوفيه الشهية والمتنوعة خصوصا خبز الشراك الذي تخبزه أم خالد، التي تقطن المنطقة، لكل وجبة، علما أن عدم وجود الكهرباء وتخفيف استهلاك الموارد البيئية هما سبب غياب المنتجات الحيوانية من قائمة طعام النزل.
صعد كل من في النزل إلى السطح العلوي للنظر إلى النجوم التي بدت كأنها لوحة فنية تزين السماء، والاستمتاع بنسمات الهواء المنعشة في أجواء الهدوء لدرجة أنه يحظر استخدام الهاتف الخلوي بنغماته العالية كي لا تزعج النزلاء الآخرين الباحثين عن الهدوء والراحة.
بعد نهار طويل وليلة مميزة ذهبت إلى النوم لاكتشف عند استيقاظي أنها هي الساعات الـ8 نفسها التي تنامها في أي مكان، لكنها في فينان مشبعة بالأوكسجين النقي، حتى إنك تصحو على أصوات العصافير والشمس وأشعتها التي تنعكس على الجبال الملونة بفعل المعادن التي تكون معظم الصخور، بدأنا اليوم لنواصل أخذ الخبرات والتحضير لمغامرة في قلب الصحراء بعد وجبة إفطار خفيفة.
في ساعات الضحى ذهبنا في أحد المسارات الجبلية التي ينظمها النزل للراغبين مع أدلاء سياحيين من سكان المنطقة نفسها يتقنون أكثر من لغة؛ محادثة لا كتابة، الهدف من المسار التعرف إلى الخبرات الصحراوية وكيفية التعايش مع الظروف، وكيف يطوع ساكنو هذه المنطقة كل الصحراء لخدمتهم من معرفتهم القوية بمصادر المياه والطعام، والتفريق بين أنواع النباتات الصحراوية؛ السام منها والمفيد. لفت انتباهي شجرة متوسطة الطول تحمل ثمارا تشبه المانجو في وسط الصحراء تستخدم لتسكين الألم الموضعي الخارجي، غير أنها سامة إذا تم تناولها. والطريف في الموضوع الصابون الصحراوي الذي يأتي من فرك يدك بأوراق إحدى الشجيرات. رجعنا مثقلين بالمعرفة والغبار لأخذ قسط من الراحة والرجوع إلى الحياة التقليدية بألوانها المصطنعة وصورها التي تخلو من الروح في الغالب.
يحدثني الترزي أثناء استعدادي للرحيل أن النزل يتجهز اليوم ليكون ملاذا للشركات لإعطاء دورات لموظفيها وتنظيم المؤتمرات بأجواء يملؤها الهدوء، حيث سيوفر جميع الخدمات اللوجيستية للفكرة بروح بيئية كاملة، ومن الخدمات التي ستكون قريبا في فينان تلسكوب فضائي متوسط الحجم لتحصل ليلا على خبرة واسعة حول النجوم ومواقعها وأسمائها من موظف مدرب، كل هذه الأفكار تضيف للمنتج السياحي البيئي الذي هو جديد أصلا نكهة خاصة وروادا جددا.
أتيت إلى فينان لأعيش لحظات الهدوء من دون أن تغيب عن البصيرة مراحل وداع الشمس قبيل وداعها الصامت لنا من قبل، وهي التي غادرت خلف الجبال الممتدة على مد النظر. نغادر النزل بعد أن تشربنا خبرات ومعارف بكر لم نتمثلها منذ مدة طويلة. يودعنا نبيل الترزي مصطحبنا إلى سيارتنا التي تركناها في نقطة الاستقبال على يقين داخله أن هذه التجربة ستعيدنا إليه من مرة أخرى، وعرفت ذلك في طريق العودة إلى ما كنت هارب منه أصلا
|
|
|
|
|
|
|
مواضيع أخرى للكاتب: جوناثان يتس
|
 |
| |

|
هل سئمت من الوضع الحالي لوظيفتك؟ هل تبحث عن تحسين وضعك المالي؟ هل تبحث عن الاستقلالية؟ نصائح لتحدد استراتيجيتك التجارية المقبلة من كتاب جوناثان يتس، مؤلف كتاب (ضروريات كل الأوقات لرجال الأعمال المبادرين) لتغير حياتك. |
| بقلم : جوناثان يتس
|
|
|
|
|
|