خرج الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، ليبرر السياسة التي تعامل فيها مع الملف الإيراني النووي مؤخرا قائلا: العقوبات كانت فعالة جدا لدرجة أن الإيرانيين أنفسهم اعترفوا بأنها خلقت الخلل في اقتصادهم مشيرا إلى أنه في الوقت الحالي لن تذهب أمريكا لضرب إيران عسكريا، وستكتفي بمعاقبتها اقتصاديا. أوباما على حق، فالعقوبات الأولية التي تم تنفيذها على البنك المركزي الإيراني رفعت من معدلات التضخم، لتصل إلى %19.1 حسب تصريح محمود بهمني، محافظ البنك المركزي الإيراني، كما أسهمت في انهيار الريال، الذي وصل سعر تصريفه مقابل الدولار إلى 18 ألف ريال. هذان الأمران أسهما في إنهاك اقتصاد إيران. الدكتور أنور عشقي، رئيس مركز الشرق الأوسط للدارسات الاستراتيجية والقانونية يقول: الأزمة الاقتصادية وصلت إيران بقوة، ونرى ذلك من خلال انهيار عملتها، حيث إنها أصبحت لا تساوي تكلفة طباعتها.
رغم ذلك حافظت إيران على هدوئها، إلى أن جاءت الضربة الأقوى عندما بدأت أمريكا والعالم بالإشارة إلى أن العقوبات المقبلة ستكون على صادرات إيران النفطية، وذلك عقب تلويح إيران في منظمة أوبك باستخدام آليات الضغط على العالم وعلى أسواق النفط العالمية بإغلاق مضيق هرمز الذي تحتاج إليه 6 دول وازنة لتصدير منتجاتها النفطية وهي السعودية، قطر، الكويت، البحرين والعراق والإمارات.
فيما لو تم تنفيذ عقوبات دولية عليه بسبب النزاع حول البرنامج النووي الإيراني، فإن ذلك سيبقي أسواق النفط العالمية في حالة ترقب وتوتر، إلى أن توضح الصورة حول مصير أزمة هرمز التي تعبر من خلاله %40 من الإمدادات النفطية إلى العالم بما يقارب 17 مليون برميل يوميا، عوضا عن أن المضيق يمثل عصب التنقلات البحرية للخليج العربي والعالم.
أيضا، إذا أقرت العقوبات وتوقفت صادرات إيران من النفط، فستخسر ما يقارب الـ%80 من إجمالي مداخيل بنكها المركزي المهدد بفرض عقوبات استراتيجية أخرى على نشاطاته وموجوداته، وقبيل أن تتم هذه الخطوة بالكامل أتى السيناريو الإيراني إلى الواجهة الذي تسعى إلى تطبيقه على أرض الواقع، وهو أن تدفع تهديداتها بإغلاق المضيق إلى رفع أسعار النفط العالمية لتكسر حاجز 150 دولارا لتجني من خلال هذا الرفع مضاعفة إيراداتها وتعويض شح السيولة التي قد تعانيها جراء العقوبات، ولو بشكل مؤقت إلا أن حركتها غير الموفقة رفعت أسعار النفط عالميا %4 فقط ليصل سعر البرميل إلى 109 دولارات.
بعد فشلها في دفع أسعار النفط ارتفاعا كما ترغب، بدأت التحذيرات الإيرانية لدول الجوار بعدم تزويد أي نقص في الإمدادات النفطية إلى السوق العالمي فيما لو تم فرض الحظر بشكل نهائي، حيث قال مندوبها في منظمة أوبك محمد علي خطيبي لا ينبغي لجيراننا العرب التعاون مع هؤلاء المغامرين، وعليهم اتباع سياسات حكيمة. رد الجيران كان على لسان أقواهم وهو علي النعيمي، وزير النفط السعودي، حين قال في تصريح رسمي السعودية ملتزمة دائما بتلبية الاحتياجات النفطية لدعم استقرار سوق النفط.
عشقي يرى بأن من مصلحة دول مجلس التعاون أن تبقى الحدود السعرية حول معدلات الـ 100 دولار وأن دول المجلس ستعمل على تعويض الفرق بحيث تبقى الأسعار مستقرة.
من يلاحظ التحركات الإيرانية ليحلل الوضع، يرى أن المنطقة على شفير حرب تشيب لها الرؤوس حيث تنشط القوات الإيرانية عبر مناورات قريبة من مضيق هرمز عند مدخل الخليج العربي من جهة وعمان والمحيط الهندي من جهة أخرى ، حيث يصرح محمد رضا رحيمي، نائب الرئيس الإيراني في أواخر أيام 2011 أن قطرة نفط واحدة لن تمر عبر مضيق هرمز إذا فرضت دول غربية مزيدا من العقوبات على بلاده، لتكون تصريحاته مدعومة بنكهة عسكرية من قبل الجنرال حبيب الله سياري حين قال إغلاق هذا المضيق أسهل من شربة ماء، مضيفا أن الحرس الثوري سيجري المناورات البحرية في منطقة المضيق في موعدها المقرر من 21 يناير/ كانون الأول إلى 19 فبراير/ شباط 2012.
مضيق هرمز يعتبر في الأعراف الدولية من الممرات المائية التي تخضع لحماية دولية وليس احتكارية لأي دولة دون الأخرى والتي من حق السفن أيا كانت جنسيتها استخدامه والمرور من خلاله، وأي اضطراب في محيطه يهدد أمن المنطقة ككل، وبهذا الخصوص جاءت تصريحات رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الأمير تركي الفيصل في مؤتمر الأمن الوطني والأمن الإقليمي بمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي عقد في 18 يناير/ كانون الثاني في البحرين واضحة ليقول إن أي تهديد لأمن ومصالح دول الخليج سيجبرها على اللجوء لكل الخيارات المتاحة للدفاع عن نفسها في الوقت الذي يضيف أن الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي لا علاقة لهم بأي نزاعات دولية بين إيران والمجتمع الدولي حول برنامجها النووي.
الجمهورية الإسلامية تبدي رغبتها في استفزاز دول الجوار والمنطقة وتسعى إلى خلق نوع من التوتر معهم، حيث يقول عشقي إن من عادة إيران تصدير أزماتها إلى الجوار عند وجود أي مشاكل داخلية في سدة الحكم، ويقصد بذلك الخلاف القائم بين المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والرئيس المنتخب أحمدي نجاد التي بدأت في ربيع 2011 حول عدم قبول حكومة نجاد إصدار قانون يفرض على النساء الالتزام بما يعتبره علماء الدين المتشددون المواصفات المطلوبة للحجاب الشرعي، وفتح باب الحوار مع أمريكا التي تلقبها المؤسسة الدينية الإيرانية الشيطان الأعظم.
بعد هذه التداعيات كلها والتصريحات الدولية وحجمها، إضافة إلى يقين إيران الأكيد أن العالم سيتحد ضدها لتفكيكها من الداخل، تتصف التصريحات القادمة من بلاد فارس بحدية أقل، حيث يقول رامين مهمانبرست، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إن ضمان أمن منطقة الخليج ومضيق هرمز من أولويات بلاده الرئيسية.
من المتوقع أن تمضي الدولة الفارسية في تلميحاتها بين فترة وأخرى، ولن تتدخل أمريكا في شيء لأنه من مصلحتها أن تبقى حرة طليقة، لسببين؛ الأول أن تصريحات إيران الهجومية والعدائية تغذي الرغبة بزيادة عملية التسلح لدول جوارها، والثاني أنه على مر التاريخ يجب أن يكون للولايات المتحدة الأمريكية عدو وهمي تستطيع من خلاله جني أكبر قدر ممكن من الضرائب وتطبيق نظامها العالمي.
أما عشقي فهو يعلم أن إيران لا تملك القوة العسكرية والإمكانيات اللوجستية والفنية على إغلاق المضيق ساعة واحدة.
هل سئمت من الوضع الحالي لوظيفتك؟ هل تبحث عن تحسين وضعك المالي؟ هل تبحث عن الاستقلالية؟ نصائح لتحدد استراتيجيتك التجارية المقبلة من كتاب جوناثان يتس، مؤلف كتاب (ضروريات كل الأوقات لرجال الأعمال المبادرين) لتغير حياتك.