
إذا كنت تملك أحد الشركات الرابحة في العالم؛ فأعلم أنه من المتوقع أن يطرق باب مكتبك من قبل جهاز قطر للاستثمار الذي يتنقل بين القارات بسيولة كبيرة ليستحوذ على حصص من الشركات التي يعرف تماما أنه سيربح منها، فما أن أعلنت شركة توتال الفرنسية تحقيقها أرباحا صافية قدرت بما يزيد على 15.8 مليار دولار، حتى صرح كريستوف دو مارغوري، رئيس مجلس إدارة الشركة، في 21 أبريل/ نيسان، أن الجهاز القطري استحوذ رسميا على حصة %3 من أسهم الشركة بقيمة تقدر 3.9 مليار دولار. يقول: نحن شركة النفط الدولية الكبرى الوحيدة الموجودة في جميع فروع قطاع النفط والغاز في قطر، لذلك التزامنا الأول هو مشاركتنا في قطر ومع القطريين.
هذه الصفقة هي إتمام لما تم الإعلان عنه في أغسطس/ آب 2011 أن جهاز قطر للاستثمار اشترى حصة %2 من الشركة الفرنسية، التي حلت في المركز الـ18 لأقوى 2000 شركة في العالم، حسب فوربس بعد أن وصلت قيمتها السوقية إلى 132.4 مليار دولار، وعليه، ينضم اسم قطر كأحد كبار المساهمين في التقارير المالية في هذه الشركة جنبا إلى جنب مع العاملين في الشركة والملياردير البلجيكي، ألبير فرير، وشركته سي بي إي للطاقة، إضافة إلى صندوق الثروة السيادية الصيني.
نضال الخولي، المحلل المالي في مجموعة نعمة للاستثمار القطرية يعلق قائلا: الاستثمار في توتال هو أحد أشكال التكامل التي يبحث عنها الجهاز كونها تتوافق مع صناعة الطاقة، خاصة في الاستثمارات اللاحقة لعمليات الاستخراج والاكتشاف.
قطر التي تهدف من خلال صندوقها السيادي أن تصبح مركزا عالميا لاستقطاب الاستثمارات خلال إعادة استثمار العوائد النفطية التي تقدر بـ98 مليار دولار، حسب صندوق النقد الدولي، يقول الخولي: أعتقد أن أهم ما يميز خطوات صندوق قطر السيادي هو التنوع من حيث المجالات المستهدفة والجغرافيا، مشيرا إلى أن الهدف الأساسي من وراء إنشاء هذا الصندوق هو تنويع مصادر الدخل للدول بعيدا عن مصادر الدخل التقليدية، ليضيف نلاحظ أن صندوق قطر السيادي عمل خلال الفترة الماضية على الاستثمار في مجالات بعيدة عن الطاقة كالفنادق والمشاريع الزراعية وصناعة السيارات والمصارف.
بعد يوم واحد فقط من صفقة توتال، أي في 22 أبريل/نيسان الماضي قام الجهاز من خلال أحد أذرعه شركة قطر القابضة بالاستحواذ على حصة %5.2 من شركة تيفاني الأمريكية، التي تبلغ قيمتها السوقية 8.6 مليار دولار، حيث بلغت قيمة الصفقة نحو 450 مليون دولار وفقا لقيمة الحصة. إلا أن الشركة الأمريكية أعلنت أن ما جاء في تصريح جهاز قطر للاستثمار لم تكن تعلم عنه: علمنا عن الصفقة لأول مرة عندما تقدموا بطلب إلى لجنة الأوراق المالية والبورصات، وبهذه الصفقة يعد الجهاز صاحب أكبر حصة في الشركة التي قدرت مبيعاتها في العام الماضي، بـ3.6 مليار دولار ، يصف الخولي هذه الخطوة بقوله: الاستثمار في تيفاني سيرفع من استثمارات الصندوق في مجالات المعادن النفيسة وأسواق التجزئة وسلع الرفاهية.
قبل الصفقتين السابقتين كان فريق جهاز قطر للاستثمار يجول في جزيرة سردينيا الإيطالية، حيث صرحت شركة قطر القابضة في 17 أبريل/ نيسان الماضي أنها استحوذت على شركة سميرالدا القابضة الإيطالية التي تمتلك 4 فنادق في الجزيرة هي كالا دي فولوبي وبيتريزيا ورومازينو وسيرفو، إضافة إلى نادي بورتو سيرفو البحري الذي يحتوي على نادي كوستا سميرالدا لليخوت، وحوض السفن بورتو سيرفو، ونادي بيفيرو للغولف، الذي صممه
المصمم الشهير، روبرت ترنت جونز، إضافة إلى %51 من الأراضي غير المستصلحة المجاورة والمقدرة مساحتها بحوالي 2290 هكتارا، بموجب اتفاقية وقعت مع شركة كولوني كابيتال.
أحمد محمد السيد، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـقطر القابضة، صرح أن الشركة ستسعى إلى تعزيز مكانة سميرالدا الايطالية كواحدة من أفخم الوجهات السياحية في العالم، ويضيف توم باراك، رئيس مجلس إدارة شركة كولوني كابيتال ورئيسها التنفيذي: مهمة الإشراف على تطوير سميرالدا قد أصبحت بين أياد تمتلك أفضل الخبرات وأكثرها احتراما وكفاءة، ولكن الخولي له رأي آخر ، يقول: إن الصندوق لايزال يتحين الفرص في بعض المجالات والمناطق الأخرى التي مازالت تعاني آثار الأزمة المالية، في إيطاليا واليونان، ويضيف أعتقد أن العديد من هذه الفرص لن تتكرر بسهولة، وهذا ما يعيه جيدا القائمون على الصندوق.
توتال وتيفاني وسيمراليدا إضافات قيمة استحواذات جهاز قطر للاستثمار، والتي بدأت في أوائل العام 2010 من خلال امتلاك حصص في شركات عالمية هبطت قيمتها السوقية، وتأثرت بالأزمة العالمية، حيث تتنوع الاستثمارات بشكل كبير فمن استحواذه على متاجر هارودز البريطانية بالكامل، إلى مجموعة فولكسفاجن التي يمتلك فيها %17، وحصة أخرى في المجموعة لويس فيتون
الفرنسية المتخصصة في إنتاج السلع الفاخرة، إضافة إلى استحواذه على %13 في مجموعة لاجاردير الإعلامية الفرنسية التي تحمل تحت مظلتها مجموعة من العلامات التجارية مثل إيلي وباريس ماتش ويعتبر الصندوق أكبر مالك فيها، انتهاء بامتلاكه حصة في شركة الأفلام الأمريكية ميراماكس التابعة لمجموعة والت ديزني، في صفقة بلغت 660 مليون دولار .
جهاز الثروة السيادي القطري أيضا دخل مجال الإنشاءات والتعدين عندما استحوذ على %5 في مجموعة المناجم إكستراتا السويسرية، إضافة إلى رفع حصته في شركة إيبردرولا التي تزود الكهرباء إلى معظم مناطق إسبانيا، ولا ينسى العالم الصفقة التي تمت بين صندوق قطر للاستثمار وشركة يوروبيان جولد فيلدز الكندية العاملة في مناجم الذهب اليونانية في أكتوبر/تشرين الأول 2011 التي بموجبها استحوذ الجهاز على %27 من أسهم الشركة.
نضال الخولي يتوقع حجم محفظة الجهاز الاستثمارية قائلا: أعتقد أن الصندوق يدير أصولا تقدر بنحو 65 مليار دولار، ويوضح ذلك أن هذا الرقم قدر على أساس سعر تكلفة الصفقات، أما إذا أردنا حساب قيمة هذه الأصول اليوم فسيزيد هذا المبلغ بحوالي 10 إلى
15%.
قد تكون الأسباب وراء هذه الشهية الاستثمارية هو حماية الأجيال القادمة من أية انتكاسات قد تتعرض لها المصادر التقليدية للدخل النفط والغاز أو أية أزمات قد تمر بالاقتصاد المحلي على المستوى القريب، إضافة إلى مبدأ التنويع في العملة الصعبة، لكن السؤال هنا:
لماذا لا تستثمر قطر من خلال جهازها السيادي في المشروعات الكبيرة التي تقوم حاليا في قطر وخصوصا في البنية التحتية؟، يرى أفشين مولاوي من مؤسسة نيو أمريكا للأبحاث والدراسات الاستراتيجية أن الأموال الطائلة التي يتجول بها جهاز قطر للاستثمار بين القارات الخمس، إذا لم تستثمر في أسرع وقت وبطريقة علمية في مشاريع متنوعة إقليميا سيكون لها كلفة عالية قد ترهق الاقتصاد القطري.
ويتفق الخولي مع هذا الرأي حيث يرى أن ذلك ليس صحيا للاقتصاد يقول:
إن استثمار هذا الحجم الهائل من الثروة في المشاريع القطرية قد يضر بالاقتصاد بشكل غير مقصود، ويرفع من حجم السيولة وبالتالي يؤدي إلى التضخم، مضيفا
أن الأمر يخلق جو منافسة غير عادل مع القطاع الخاص الذي لا يمكنه مجاراة هذا النوع من الصناديق، علما أن الصندوق يملك العديد من الاستثمارات المحلية في قطر، ولكنها لا تشكل الجزء الأكبر من حجمه.