
في خضم مناقشات حريصة- وعادة ما تكون متضاربة- حول ما يجب اتخاذه لتطوير (اقتصاد أخضر) حقيقي وملموس في شمال أفريقيا، والذي سيجعل معظم إمدادات الطاقة من الشمس والرياح لا حد لها، يظل هناك استنتاج واحد يطفو إلى السطح دوما، في أنه إذا ما كانت هناك دولة واحدة، تسير في هذا الطريق، فإنها ستكون المغرب.
فمع حرص الجزائر وتونس وليبيا، إلا أن تعثر جهودها بسبب القضايا السياسية والبنية التحتية، حول الأعين نحو المغرب لإثبات أن الطاقة المتجددة ممكنة من العمل والأداء في المنطقة. ففي مصر تظل مشاريع طاقتي الشمس والرياح تحت بنود الوعود، الأمر الذي يجعل العيون تتطلع بأمل تجاه الرباط. يقول ثيمو غروب، مدير مؤسسة ديزيرتيك :"إن مبادرة الطاقة تهدف إلى تطوير سوق متجددة عبر جنوب البحر الأبيض المتوسط".
هذه السوق جاءت لتطمئن مستثمري العالم المتخوفين من الوضع السياسي في المنطقة ككل، بالإضافة إلى تخوفهم من أية انقطاعات في إمدادات المصادر التقليدية للنفط او الغاز (كما حصل في ليبيا). مشاريع الطاقة الشمسية في المغرب تبين بالشكل الأمثل كيف يتم تقسيم الكعكة، هذا ما يقوله محمد العشري، المسؤول في مؤسسة الأمم المتحدة، والناشط في قضايا الطاقة بالمنطقة. الذي أشار إلى تقدم البلاد من خلال ما يرونها مشاريع أساسية، تهدف إلى إظهار نتائج باهرة لمن هم داخل وخارج المنطقة. لعل أبرز تلك المشاريع هو مشروع الطاقة الشمسية الذي كلف 2.8 مليار دولار، بغرض إنتاج 500 ميغاواط، والمقرر أن ينطلق خلال العام الجاري. ومن دون أن تنطلق تلك المشاريع المهمة فإن إقناع أي شخص بتمويل هذه المشاريع طويلة المدى وإيجاد المساندة السياسية لها سيكون أمرا صعبا.
وعلى الرغم من الضغوط، كان سيد مولين، مدير الوكالة المغربية لتنمية الطاقة المتجددة مسرورا بالمشاركة وهو ينوي تحقيق الاستفادة القصوى من الدور القيادي لبلاده. ويتتبع مولين تحركات بلده لتبني خيارات مشروع الطاقة المتجددة، والتي تصرفها عن الاعتماد على الطاقة الأجنبية، موضحا أن السياق كان مختلفا قليلا عن الدول المجاورة الغنية بالنفط في ليبيا والجزائر. إذ قد بدأ الأمر مع فاتورة باهظة للطاقة.
ومع اعتماد المغرب الحالي على استيراد أكثر من %97 من احتياجاتها للطاقة، فإنها تحتاج للعمل جاهدة للحد من اعتمادها على مصادر أجنبية من خلال الاعتماد على مشاريعها المحلية، بما في ذلك استكشاف احتياطات تقليدية حديثة العهد، ومشاريع الصخر الزيتي (صخر يحتوي على نسبة تزيد على %10 من الوزن على شكل نفط و%5 على شكل غاز، الأمر الذي يجعله مصدرا مهما للطاقة). مؤخرا، اعتمدت الدولة على مشاريع الطاقة الشمسية والرياح كركيزة لسياسة الطاقة في البلاد.
من خلال إستراتيجيتها للطاقة، تهدف المغرب إلى خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري (وقود يتم استعماله لإنتاج الطاقة، ويستخرج من المواد الأحفورية؛ كالفحم الحجري، الفحم النفطي الأسود، الغاز الطبيعي، ومن البترول) وإلى الحد من الاستنزاف الهائل من ميزانية البلاد. يقول فؤاد الدويري، وزير المملكة المغربية للطاقة والمعادن والماء والبيئة: "من أجل تحقيق هذا الهدف، تعتبر الطاقة المتجددة بكل أشكالها أولوية في إستراتيجية الطاقة المغربية، الذي يقوم على مزيج متوازن من الطاقة، حيث يتم دمج أنواع الوقود الأحفوري مع مصادر الطاقة المتجددة، فضلا عن كفاءة استخدام الطاقة".
دويري مضى في الاستشهاد بسلسلة من القوانين التي صدرت عام 2009 ، لتوفير شبكة من الأساسات من أجل دعم جهود الطاقة المتجددة في البلاد، بما في ذلك إنشاء الوكالة الوطنية لتنمية الطاقات المتجددة الطاقية (مشروع أعلن عنه المغرب يهدف إلى تفادي التبذير، والتخفيف من عبء تكاليف الطاقة على الاقتصاد الوطني)، والوكالة المغربية للطاقة الشمسية .(MASEN)
وتمنح القوانين "الحق للمنتجين باستخدام شبكة المكتب الوطني للكهرباء (ONE)
، وهي المشغل الوطني للشبكة، مضيفا أنه "سيسمح لهم ببناء شبكتهم الخاصة في حالة تصدير الطاقة، إذا ما كان الناقل الوطني وقدرات التوصيل البيني ليست كافية.
وإلى جانب جهود الشركاء الدوليين (ديزيرتيك وترانسجين، فإن القوانين وضعت لمساعدة البلاد لرفع قدرة الطاقة المتجددة في المغرب من المستوى الحالي %26 إلى %42 في عام 2020 (14% من الطاقة الشمسية، و%14 من الرياح، و%14 من الطاقة الكهرومائية) ما يساعد على امتلاك التكنولوجيا والاقتصاد الداعم، هذا ما يشرحه مولين إجمالا، ولكن ما يهم حقا هو الإرادة السياسية.
وعلى الرغم من النشاط المكثف وراء جهود المغرب في الطاقة المتجددة، فإن هناك الكثير من العوائق أمامه، سواء داخل البلاد أو خارجها. ففي المغرب، يواجه أمر إيجاد التمويل اللازم للبحوث والتنمية مشكلة حقيقية. إذ قد تكون المغرب نجحت في تجنب مظاهر الثورات العربية، كما هي الحال في دول المنطقة خلال العام الماضي، لكن الأمر كلف المغرب أموالا باهظة في سبيل الحد من الاضطرابات والبطالة.
عموما، فإن التحديات التي تواجه البلاد لن تؤثر في مسيرة الرباط في دعم الطاقة المتجددة، هكذا يؤكد دويري. وعندما سئل حول إذا ما كانت الانتخابات في البلاد أو الأزمة الاقتصادية ستغير من نهج الحكومة الخضراء قال: "بالطبع لا، إن إستراتيجية الطاقة المتجددة هي أولوية إستراتيجية. ولا شيء سيؤثر في خياراتنا في هذا القطاع".
البحث عن التمويل من شركاء أجانب يمكن أن يكون مساويا لمقدار التحديات التي تواجه شركاء المغرب التجاريين -ومعظمهم من إسبانيا- الذين يكافحون من أجل بقائهم، ناهيك عن فرص استثمارهم في "أحلام المغرب الخضراء".
ومع ذلك، يظل دعاة البيئة الخضراء أمثال مولين مصرين على عدم التضحية بمواقفهم في المنطقة مقابل الاستثمار، بغض النظر عن مدى سوء الأمور. فبالنسبة لهم، القضية هي سياسية بقدر ما هي اقتصادية أو بيئية.
يقول مولين نعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك تعاون بين دول الشمال والجنوب للبحر المتوسط. ويتابع بأن تطوير الاقتصاد الأخضر للمغرب يمكن أن يسهم في تقوية العلاقات وتقاسم المنافع بين الجميع.
يقول مولين: "نريد أن ننظر إلى تطوير طاقتي الشمس والرياح بالطريقة ذاتها للنفط والغاز في مجال النمو، لكن ليس بالطريقة نفسها التي كان يتحكم بهما". ويضيف: "إذا ما تم التغلب على الظروف بطريقة صحيحة (مع طاقتي الشمس والرياح) فإن بإمكان الجميع أن يربح.