
بدأت
آثار الارتفاع الأخير الذي شهدته الأسواق تنحسر نتيجة تدهور التوجهات والأجواء
الاستثمارية عموما مما جعل القلق والتردد السمة الرئيسية المهيمنة خلال المرحلة
الراهنة، وذلك في وقت لا يزال فيه مقياس مؤشر "ستاندرد آند بورز500" لتقلبات
سوق الأسهم عالقا في النطاق بين 15-22%. وبعد جلسات التداول الأخيرة التي شهدها
مؤشر "فيكس" لقياس تقلبات السوق المتوقعة (VIX) ضمن النطاق
المذكور، جاءت الخطوة التالية على شكل صعود سريع وملحوظ وسط توقعات بتعرض أصحاب
الأصول الخطرة لبعض الانعكاسات السلبية. وعليه، فإن الحكمة تقتضي ضرورة تقليص
حساسية المحافظ تجاه حركة السوق والتوجهات الاستثمارية فيه خلال الفترة الحالية.
وأسهمت
نتائج البيانات الأمريكية المقلقة في ترسيخ الأجواء السلبية في الأسواق؛ فأولا جاءت
بيانات الوظائف في القطاعات غير الزراعية يوم الجمعة الماضي ضعيفة ودون التوقعات المنشودة،
وهو ما أكد تراجع انتعاش القطاع الخاص الأمريكي بوتيرة ملحوظة قياسا إلى موجات
الانتعاش السابقة، مما قد يفند بطريقة ما تمتع الشركات الأمريكية بمستويات صحية من
حيث الميزانيات العمومية. وثانيا، أظهر "مؤشر مديري المشتريات" لقطاع
التصنيع تسجيل الهبوط الأكثر حدة في حجم الطلبيات الجديدة والصادرات منذ وصول
الأزمة المالية العالمية إلى قاعها الأدنى. وليس من المستغرب بطبيعة الحال تسجيل موجة
الانخفاض الأخيرة في "مؤشر مديري المشتريات" الصيني، ولكن الهبوط من
المستوى 60 إلى 49.7 ضمن حجم المقياس الرئيسي يشكل مبعث قلق بالنسبة للأسواق
الموجهة نحو قطاع التصدير.
من
ناحية أخرى، ساهم "البنك المركزي الأوروبي" بترسيخ حالة القلق بعد الإعلان
عن عدم استعداده لضخ أموال جديدة في الأسواق ضمن إطار سياسته النقدية المتبعة،
وذلك بعد 45 دقيقة فقط من اتخاذ "بنك إنجلترا" قراره بإطلاق جولة جديدة
من برنامج التيسير الكمي. وأعلن ماريو دراجي، رئيس "البنك المركزي
الأوروبي"، خفض سعر الفائدة الرئيسي بواقع 25 نقطة أساس بغية التأقلم مع النظرة
الهبوطية حيال الاقتصاد الأوروبي. وبدت التحليلات اللاحقة لهذا الإعلان في وسائل
الإعلام الاقتصادية غير إيجابية، خاصة وأنها تؤكد عدم اتخاذ خطوات كبيرة على
صعيد خفض أسعار الفائدة أو تمديد برنامج التيسير الكمي.
وفي
ظل غياب أي تدخل مالي جاد، لم يتبق أمام الأسواق الأوروبية سوى المبادرات
السياسية الرامية إلى تعزيز العاطفة الاستثمارية للحيلولة دون التسبب بأي جوانب
سلبية، وهو ما يفسر تفوق أداء النحاس بصورة دائمة على الذهب خلال الأشهر القليلة
الماضية. وسيشهد الذهب صعودا ملموسا حينما ينتقل "البنك المركزي
الأوروبي" من مرحلة التدابير التقليدية إلى اتخاذ الخطوات الجديدة التي يمكن
لأوروبا الاستفادة منها. وحتى ذلك الحين، من المنطقي تماما الابتعاد عن التعامل
مع الأسهم الأوروبية، وعملاتها، والديون المسعرة باليورو، في حين يبقى الدولار
الأمريكي العملة المفضلة بين أوساط المستثمرين.
وعلى
الصعيد العالمي، تم تحديث نماذجنا الخاصة لتوزيع الأصول خلال شهر يوليو، وهي تعبر
عن نظرة اقتصادية متدهورة حيال الأسهم في الأسواق المتقدمة، ولذلك فإننا نوصي بعدم
المبالغة في الاستثمار ضمن الأسواق الناشئة. وتتمتع الأسهم خارج مجموعة الدول
الصناعية السبع الكبرى بقيمة عالية بالنسبة إلى أسواق البلدان المتقدمة على أساس
عملية التقييم، ولكن الزخم الناجم عن نمو الائتمان، ووفرة السيولة، ومراجعات
الأرباح، وانحدار منحنيات العائد يوفر خيارات استثمارية أكثر تشجيعا قياسا إلى الأسواق
المتقدمة.
ومن
جهة ثانية، تشير نماذجنا الاستثمارية إلى أن الأسهم الأمريكية لا تزال دون المستوى
المطلوب قياسا مع الدخل الثابت، غير أن وتيرة هذا الانحدار انخفضت نتيجة تشديد الهوامش
الائتمانية. ويؤكد ذلك رؤيتنا التي تركز على ضرورة أن تبقى أسهم المؤسسات الصغيرة
أو الديون ذات العوائد المرتفعة بمثابة الخيار الأفضل للسوق الأمريكية، وذلك نتيجة
انخفاض أسعار الفائدة الخالية من المخاطر وعوائد الأرباح العالية. وفيما يخص أسواق
الأسهم في المملكة المتحدة، تشهد المرحلة الراهنة توازنا بين السندات والأسهم في
ظل انحدار عائدات السندات طويلة الأجل اليوم إلى حد جعل عوائد أرباح الأسهم توفر
علاوة مخاطر للأسهم بواقع (300) نقطة أساس.
وفي
ميزان الأداء بين الأسواق الناشئة والمتقدمة، تواصل الكفة رجحانها لصالح الأسواق
الناشئة ولاسيما آسيا والمحيط الهادي/ الشرق الأوسط على وجه الخصوص. كما باتت
مراجعات الأرباح أكثر إيجابية في أسواق الأسهم مع التنامي المستمر لمعدلات
المعروض النقدي. وينطبق حال الأسهم على أسواق الدخل الثابت التي لا نزال نوصي بتقليص
معدلات مقياس
"بيتا" ((beta فيها، وذلك من خلال الانكشاف على الأسواق عالية الجودة، وتوفير
آجال استحقاق قصيرة المدة، كما نفضل الديون المحتسبة بالعملة الصعبة مقابل بورصات العملات
المحلية.
وضمن
مجموعة دول "البريكس"، لا تزال روسيا والصين تتصدر الأسواق على صعيد عمليات
التقييم المناسبة وفرص النمو الواعدة، ولكن سوق الأسهم الروسية تتمتع بمقياس
"بيتا" بمقدار (1.3)، مما يعني أن المخاطر الهبوطية المتوقعة تبدو
منسجمة أكثر مع موجات الهبوط ضمن "مؤشر مورجان ستانلي كابيتال
إنترناشيونال" للأسواق الناشئة. وفي المقابل، تمتلك الصين مقياس
"بيتا" عند المستوى (1.0) مما يجعلها أقل حساسية تجاه المخاطر ولكن مع
احتمال إجراء تخفيف كبير على السياسة النقدية من قبل "بنك الشعب
الصيني".
وقد
أعرب رئيس مجلس الدولة الصيني وين جيا باو مجددا يوم أمس عن رأيه بإمكانية تخفيف
السياسات الحكومية والنقدية لتصبح أكثر
فاعلية شرط أن يبلغ نطاق النمو المستهدف للبلاد 7.5%، كما أكد أن أسعار
الفائدة والمعروض الائتماني هي مسائل بيد الحكومة الصينية. ومع تراجع حجم التضخم
الصيني إلى معدل يتجاوز 2% في شهر يونيو الماضي، تبدو بيانات "مؤشر مديري
المبيعات" أضعف بشكل ملحوظ، كما أن الفرصة سانحة لاتخاذ بعض التدابير الكفيلة
بتهدئة اضطراب الأسواق. ولهذا السبب وحده، يتعين على المستثمرين أخذ مسألة
الاستثمار طويل الأجل في السوق الصينية بعين الاعتبار.