إثر التغيير الجذري الذي حصل في كل من تونس ومصر، صار الشارع العربي يشهد مفارقات لم يعرفها من قبل؛ أن يحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي، 26 عاما، نفسه كاشفا معه حقيقة الأنظمة الاقتصادية العربية ليأتي الدور بعد ذلك بأقل من شهر على مصر، لتكون محط أنظار العالم أجمع، الذي صار يتابع بحذر شديد ماذا سيحصل هناك، لتبدأ التساؤلات تطرح نفسها بقوة على طاولة النقاش، من التالي؟
من بين البلدان التي جاء ذكرها في أجوبة البعض عن هذا السؤال، ولو بصورة أقل يأتي المغرب، الذي تتشابه مؤشراته الاقتصادية والاجتماعية في أغلبها مع الجارة المغاربية تونس، وهو ما قد يشكل علامة لدى البعض للبدء في دراسة البنية الاقتصادية للبلد الذي يبعد عن أوروبا بأقل من 13 كيلومترا فقط. يقول الدكتور لحسن الداودي، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، ورئيس فريق حزب العدالة والتنمية المعارض بالبرلمان: حالة المغرب مختلفة؛ ففي نظره لم تكن الحالة الاقتصادية فقط من أشعل الشارعين؛ التونسي والمصري، إذا اجتمع الفقر مع قتل الحريات فلنستعد للانفجار. أما في المغرب فهناك هامش لا بأس به من الحريات السياسية والديموقراطية.
يسترسل الداودي، المعروف بتدخلاته الجريئة في جلسات مجلس النواب المغربي، قائلا: في المغرب، ليس هناك الاختناق الاقتصادي الموجود نفسه بمصر وتونس. مشيرا إلى أن قطار الإصلاحات الاقتصادية بدأ منذ تولي محمد السادس، عرش المملكة المغربية. وقد يكون الداودي على حق، فقد استطاع المغرب في العقد الأخير أن يبني ورشا ضخمة أسهمت في رفع مدخوله، وتوفير فرص العمل لآلاف المغاربة، كمشروع طاقة الرياح الذي يعتبر الأضخم على مستوى العالم، وقدرت تكلفة المشروع بـ31.5 مليار درهم 3.5 مليار دولار، والذي سيسهم في توفير ما يعادل %26 من الإنتاج المحلي للكهرباء، ومشروع طنجة متوسطي، وميناء الناضور غرب المتوسط، المعروف بالمخطط الأزرق والذي تم من خلاله بناء 6 محطات شاطئية في العام 2010، ومشروع المغرب الأخضر لتطوير الفلاحة والعالم القروي، حيث سيتم استثمار أكثر من 10 مليارات دولار، إضافة إلى مشروعي المغرب النامي لمضاعفة الإنتاج الصناعي، والمغرب الرقمي لتطوير الإدارة العمومية، والرفع من تنافسية القطاع الخاص. كما سارع المغرب إلى توقيع مختلف الاتفاقيات للتبادل الحر مع دول عدة؛ كالولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الصين، تركيا، مصر، الأردن، تونس والإمارات العربية المتحدة، ما يؤهله لجلب استثمارات ضخمة للتصدير، حيث يساعده على ذلك موقعه الاستراتيجي كممر تجاري مهم بين دول أوروبا وإفريقيا .
لم يرد أستاذ الاقتصاد، التجميل كثيرا من صورة الواقع، فصحيح أن المغرب، حسب قوله، يعتبر القوة الاقتصادية الـ6 في الدول العربية بعد السعودية، الإمارات، الجزائر، مصر والكويت، مع ملاحظة أن المغرب بلد غير مصدر للبترول عكس البقية، حسب إحصاءات البنك الدولي، لكنه لم يخف كذلك أن على حكومة بلاده التحرك سريعا لتدوير عجلة النمو من كان راضيا بالأمس صار يعاني اليوم، نتيجة الأثر النفسي الذي خلفته ثورتا تونس ومصر. المغرب يتقدم على جاريه الشمال إفريقيين من حيث نسبة البطالة، حيث تقدر في المغرب بـ%9 في حين تتجاوز بتونس الـ%14، ومصر إلى %20. أما في ما يخص ثروات البلدان ومستويات المعيشة لشعوبها، فقد أشار تقرير صادر عن البنك الدولي، إلى أن مصر أغنى الدول الثلاث بتحقيقها ناتجا محليا إجماليا قدر بـ188 مليار دولار في العام 2009، لكن شعبها أكثرهم فقرا بنسبة سكان تحت معدل الفقر، الذي حدده البنك الدولي عند الدولارين يوميا، فقد بلغ %18.5، ثم يليه المغرب بـ91 مليار دولار للسنة نفسها مع %14 من سكانه يقبعون تحت مستوى خط الفقر، أما تونس فقد حققت 39 مليار دولار مع %13 يكسبون أقل من دولارين في اليوم، وذلك وفق التقرير الصادر عن البنك الدولي بتاريخ، 29 يناير/كانون الثاني للعام 2011. هذه الأرقام قد تظهر جزءا واحدا من الواقع المعاش في كل بلد من بين الثلاثة، لكن الدكتور الداودي لم يبد أهمية لهذه الأرقام قائلا: هذه الأرقام لا تبرز إلا %1 من الحقيقة، وليست المعيار الأنسب للمقارنة، مستشهدا بأحد مقاطع الفيديو الشهير على موقع اليوتيوب حين سألته نزهة الصقلي، وزيرة التنمية الاجتماعية والتضامن بالمغرب عن مفهوم الفقر.
الكل يتحدث عن الإصلاحات، وعن تحسين مستوى العيش دون ذكر الكيفية، لكن الداودي ذكر بعض الحلول، التي قد تكون غير واقعية في بعضها، ولخصها في تخفيض أسعار المواد الأساسية، وتخفيض أو إزالة الضرائب على الفقراء وزيادتها على الأغنياء. الداودي اعترف أن هذه الإصلاحات لن تأتي لوحدها؛ فلن تستطيع أي دولة إلغاء أو خفض الضرائب دون توفير موارد اقتصادية أخرى، ولذلك يرى أن الدول العربية يجب أن تبدأ في التفريق بين رجالات السياسة ورجالات الاقتصاد رجل الأعمال السياسي أثبت فشله تماما ولنا في تونس ومصر خير دليل، فبالنسبة له من الأفضل أن يهتم رجل الأعمال بجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل بدل الوقوف كخطيب على منابر السياسة.
واصل الدكتور الداودي حديثه دونما انقطاع عن إنجازات المغرب، وتطوره الملحوظ، وثقته التامة في استقرار بلده، بصورة تجعلك تشعر بحماسة ووطنية كبيرتين، لكنه في الوقت نفسه لم يستطع إخفاء ذلك التخوف من المستقبل القريب، فعلى الرغم من ذلك الصوت القوي، إلا أنك تستطيع قراءة بعض ما بين السطور، فتارة تجده يقول: من المستحيل أن يحدث في المغرب، كما صار في مصر وتونس، وتارة تجده يحذر إن لم نسرع في الإصلاحات الاقتصادية لن نستطيع مواكبة الأحداث، لكنه ظل ثابثا على مبدأ واحد تمثل في أن اقتصاد المغرب لا يعتمد على شخص واحد أو عائلة واحدة لا طرابلسي بالمغرب، قاصدا بها عائلة زوجة الرئيس التونسي المخلوع، ليلى الطرابلسي، التي كانت وعائلتها تمتلك جميع مقاليد الاقتصاد ببلدها، ويؤكد عدم وجود حزب واحد في المغرب برلماننا نصفه موال، والنصف الآخر من المعارضة، مشيرا إلى الحزب الحاكم بمصر، الذي يستحوذ على مجلس الشعب بالنسبة نفسها، على حسب تعبيره، التي يفوز بها عادة الرئيس محمد حسني مبارك بالانتخابات الرئاسية.
على الرغم مما قاله الداودي، وما أبرزه من قواعد، أمسى المواطن العربي يعلم أن ثورة الشعب لا تخضع لقوانين أو ثوابت، وقد يظهر ذلك في أوجه التشابه الكثيرة التي تجمع بين البلدان الثلاثة، إلا أن الداودي في الأخير أبرز أن العلامة الفارقة التي يتميز بها المغرب عن تونس ومصر تتمثل في شخصية الملك، محمد السادس، الذي وصفته صحيفة الغارديان بـملك الفقراء، والذي غير مسار المغرب إلى دولة منفتحة اقتصاديا، منكبة على تطوير رؤوس الأموال المحلية، واجتذاب الاستثمارات الأجنبية، ولعل مشروع المنطقة الحرة بمدينة طنجة في أقصى شمال البلاد أظهر قدرة المغرب على تحقيق هذا الهدف، فالأرقام تقول إنه منذ توليه الحكم، في العام 1999 ضاعف المغرب مدخوله السنوي بنسبة قاربت الـ%150. لكن المفارقة تبقى في أن الرئيس مبارك ذا الـ83 عاما حكم مصر أكثر من 30 عاما، حافظ خلالها على استقرار اقتصاد البلاد، أما الرئيس زين العابدين بن علي، 75 عاما، فقد حكم تونس لـ24 عاما، حقق فيها تقدما اقتصاديا فاق كل التوقعات، وعلى الرغم من ذلك لم يسلما من الثورة، أما الملك الشاب الذي لا يحتاج إلى انتخابات ليبقى في كرسي الحكم؛ فهو في عامه الـ11 فقط، والطريق أمامه ليستمر في ما بدأه.
أعلن البنك الدولي عن أفضل بلدان العالم من حيث تواجد المناخ المهيّأ لتأسيس مؤسسة وإدارتها، وذلك اعتماداً على النظام الضريبي والقوانين وسياسة الائتمان وعوامل أخرى هامة في كل دولة