لا يصدق جورج برباري، 39 عاما، أنه سيعود مرة ثانية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فهذا الشاب اللبناني الذي عاد إلى وطنه الأم في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حاملا معه 240 ألف دولار ليستثمرها في القطاع الخدماتي، عبر افتتاح مطعم في الوسط التجاري لبيروت، ها هو يحزم حقائبه للعودة مجددا من حيث أتى. إنه يقول: لم يكد يمضي شهر واحد على وصولي إلى لبنان حتى سقطت حكومة سعد الحريري، ليدخل لبنان على إثرها في دوامة من التكهنات حول مستقبله السياسي والاقتصادي. هذا الأمر دفع جورج إلى التراجع عن مشروعه؛ الحلم، خشية خسارة أمواله التي جمعها طوال 17 عاما أمضاها في الغربة. لا أريد المقامرة بتعبي وأحلامي في بلد غير مستقر سياسيا واقتصاديا، يقول جورج، الذي بدت علامات الخيبة ظاهرة على وجهه.
جورج هو أحد اللبنانيين الذين تأثروا سلبا بسقوط الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري في يناير/ كانون الثاني الماضي، نتيجة استقالة 11 وزيرا على خلفية خلاف في شأن المحكمة الدولية المكلفة بالنظر في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، رفيق الحريري، ما فتح الباب أمام أزمة حكومية يتوقع المراقبون لها أن تطول.
وعلى الرغم من أن معهد التمويل الدولي توقع تراجع نسبة النمو في لبنان إلى %5 خلال العام الجاري، بعدما بلغت نحو %8للعام 2010، فإن أحدا في لبنان لا يستطيع تقدير النمو الاقتصادي في العام 2011 بسبب طبيعة الظروف والأمور غير المتوقعة التي يمكن أن تحصل، خصوصا أن المؤشرات الاقتصادية سجلت تراجعا منذ بداية الأزمة الحكومية الأخيرة.
لكن، في المقابل، ثمة من يتفاءل بتكليف نجيب ميقاتي بتشكيل حكومة جديدة خلفا للحريري، نظرا إلى كونه رجل اقتصاد ناجحا، ويتمتع بعلاقات دولية واسعة من شأنها أن تؤمن غطاء سياسيا واقتصاديا يعطي الضوء الأخضر لحكومته. من هؤلاء المتفائلين، رجل الأعمال، طلال المقدسي، 62 عاما، وهو مؤسس مجموعة تي اتش جي القابضة والمتخصصة في مجال الإعلام والإعلان.
يرى المقدسي أن ميقاتي أمام فرصة وصفها بـثمينة ونادرة لقلب صفحة الماضي، معتبرا أنه يستطيع إعادة إطلاق ورشة إعمار لبنان، واستعادة دوره الريادي، وذلك من خلال الاستفادة من محيطه الذي يزخر بالأموال والسيولة، حيث يقول: إنهم لا يعرفون كيف وأين يستثمرون ثرواتهم، مضيفا: أن الاقتصاد اللبناني أضحى منذ سنوات لعبة تتقاذفها الأنواء السياسية، مشيرا إلى أنه يتأثر بها سلبا وإيجابا من دون استقرار يعطي المستثمر الاقتصادي صورة واضحة يستطيع أن يبني عليها مشاريع ذات جدوى مستقبلية.
يشكل لبنان، منذ استقلاله عام 1943، مختبرا لشتى أنواع الأزمات الاقتصادية ذات الجذور السياسية، لكنه نجح حتى اليوم في تجنب الانهيار الاقتصادي الكبير، في وقت أدت بعض تلك الأزمات في دول أخرى إلى خراب اقتصادياتها، وانهيار مؤسساتها الإنتاجية.
كما يعتبر مقدسي أن السياسة المصرفية المحافظة التي يعتمدها البنك المركزي مصرف لبنان برئاسة رياض سلامة تشكل حصنا منيعا يحول دون انهيار الاقتصاد اللبناني، خصوصا أن هذا القطاع عريق، واختبر في تجارب كثيرة أثمرت صقل الصناعة المصرفية في لبنان، وتعزيز مناعتها تجاه المخاطر الناتجة عن التقلبات السياسية، والصراع المزمن على السلطة في البلد. فعلى الرغم من الأزمة السياسية التي تعصف بلبنان منذ سنوات، بلغت احتياطات البنك المركزي من العملات الأجنبية نحو 31 مليار دولار عام 2010، ما سيساعد في الحفاظ على استقرار الليرة اللبنانية، على حسب تعبير سلامة، كاشفا أن الودائع المصرفية في البلاد زادت بنسبة %10، لتصل إلى 110 مليارات دولار، أي حوالي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبنان. ويقول المقدسي: إن هذه الاحتياطات والودائع كفيلة بأن تؤمن تمويلا لكل المشاريع الأساسية، والضرورية للبنية التحتية؛ كالسدود ومصانع الكهرباء والطرقات وغيرها.
ويبدي المقدسي حماسة واضحة لتولي ميقاتي رئاسة الحكومة اللبنانية، معتبرا أن كل ما تحتاجه حكومة ميقاتي هو إعادة الثقة إلى اللبناني، صناعيا كان أم مزارعا أم تاجرا، ليستثمر في وطنه مجسدا أفكاره المنتجة في فرص عمل مختلفة، بعيدا من الإتاوات الجبايات الإجبارية التي يفرضها زعماء العشائر السياسية.
لكن ذلك يحتاج بلا شك إلى فترة حكم طويلة من دون أزمات سياسية، وهذا غير متوافر في لبنان منذ عقود طويلة.
وعلى الرغم من الوضع المالي المستقر في لبنان، فإن وزير الاقتصاد اللبناني السابق، عدنان القصار، يعترف بوجود أزمة اقتصادية في البلاد، معتبرا أن حلها مرتبط بتطبيق خطة الإصلاح الاقتصادية.
لذلك، فإن أولى التحديات التي تواجهها حكومة ميقاتي على الصعيد الاقتصادي، هي تأمين الاستقرار، حسب ما يقول نائب رئيس جمعية الصناعيين في لبنان، نقولا نحاس، 64 عاما، موضحا أنه من دون استقرار لا يمكن بناء أي شيء مستدام.
وبعد تأمين الاستقرار، يرى نحاس أنه يجب إعادة ترتيب الأولويات، حيث نعيد للاقتصاد مصداقيته، وللتشريعات الاقتصادية ثباتها، من أجل استقطاب التوظيفات والاستثمارات، وإيجاد فرص العمل، وتأمين الاستقرار الاجتماعي.
ويعد نحاس أحد المقربين جدا من ميقاتي، فضلا عن كونه مستشاره في الشؤون الاقتصادية. وهو يشير إلى ضرورة معالجة المشكلات المزمنة للتكاليف التشغيلية للاقتصاد، مثل تكاليف الطاقة والنقل والاتصالات، قائلا: حان الأوان لولوج التنافسية في هذه المضامير التي تستطيع وحدها أن تؤمن الكلفة الأقل، والنوعية الأفضل. لكن ذلك غير ممكن إذا طالت الأزمة السياسية في لبنان، إذ يتوقع خبراء اقتصاديون أن النمو لن يكون أكثر من %2 عام 2011، وهذا يعني أنه سيكون هناك انخفاض في نمو الدخل الوطني، وسينعكس هذا الأمر على الأجور، والدخل الأسري.
لذلك، يلفت نحاس إلى أن العلاقات الدولية التي يتمتع بها ميقاتي من شأنها أن تشكل رافعة حقيقية لإصلاحات الحكومة الاقتصادية. وذلك انطلاقا من قدرة الرئيس ميقاتي على فهم المعطيات الدولية والإقليمية، والتي من شأنها أن تجنب لبنان أزمات سياسية قد تنعكس سلبا على الاقتصاد الوطني.
لكن أين تتقاطع أو تختلف الرؤية الاقتصادية لنجيب ميقاتي مع الرؤية الاقتصادية لـالحكومات الحريرية التي تعاقبت على الحكم في لبنان مرات كثيرة خلال العقدين الماضيين؟
لا يرى نحاس اختلافا في النظرة الشمولية لكل من الحريرية والميقاتية الاقتصادية، سوى في كيفية إظهار الأولويات لدى كل من الطرفين. لكنه يشير إلى أن لدى ميقاتي مشروعا وطنيا يمكن أن يسهم فيه الجميع، عبر منهجية واضحة في طرح الأفكار ونقاشها بغية التوافق على رؤية يجتمع حولها اللبنانيون، في سبيل إخراج ميثاق اقتصادي جديد للوطن، على غرار ميثاق بيروت الاقتصادي، الذي أطلقه ميقاتي عندما تولى رئاسة الحكومة اللبنانية للمرة الأولى عام 2005، والتي لم تسنح الظروف السياسية آنذاك لتحويل المشروع إلى مادة للمناقشة والتطبيق.
على الرغم أن لأبل صدى كبير في عالم التكنولوجيا إلا ان الهواتف الذكية المتنوعة تماثل هواتف (أيفون) جودة إن لم تكن أفضل. وعدم التفرّد بمزيّة عن الآخرين سيقلل من حصة هواتف (أيفون) وشركة (أبل) بشكل عام في السوق.