تشبه صناعة العقاقير عالم اليانصيب إلى حد بعيد. لقد أمضت ليزا كونتي زمنا طويلا تجرب حظها في هذا الميدان. وتواصلت مساعيها طيلة عقدين من السنين. وقد تضمن مشوارها هذا طرح أسهم شركتين في اكتتابين عامين أوليين، ثم تعرضت أسهم إحدى الشركتين للشطب من السوق، وعانت حالة إفلاس؛ كما اضطرت ذات مرة إلى جمع أموال من أجل تمويل عملية اختبار دقيقة بهدف اعتماد أحد المنتجات من قبل إدارة الأغذية والعقاقير. وتقول كونتي، البالغة من العمر 51 عاما: يجب أن يكون هدف المستثمر تحقيق ثروة طائلة، لأن هذا المجال ليس عملا خيريا.
على المرء أن يكون بائعا ذكيا أيضا! منذ عام 1989، استثمرت كونتي، بشخصيتها المرنة وقدرتها العالية على التواصل، مبلغ 200 مليون دولار، حصلت على القسط الأكبر منه من أشخاص أثرياء، وذلك بهدف تطوير عقاقير طبية مشتقة من النباتات لعلاج عدد من الأمراض، بدءا من السكري، وحتى الإسهال.
لعل كونتي قد اقتربت الآن كثيرا من تحقيق غايتها المنشودة. ففي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2010، تمكنت شركتها، وهي نابو فارماسيوتيكالز ومقرها سان فرانسيسكو، من إنهاء المرحلة الثالثة من دراسة العقار كروفيليمر، وهو مركب مستخلص من مادة تم اشتقاقها من مادة حمراء لزجة مأخوذة من شجرة كروتون ليكليري في حوض نهر الأمازون. وقد تم استنباط هذا المستحضر لعلاج حالات الإسهال الحاد الذي يحدث كأثر جانبي للعقاقير المضادة لفيروس الإيدز. وتعتقد كونتي أن نتيجة الدراسة ستؤدي إلى موافقة إدارة الأغذية والعقاقير على هذا العقار المضاد للإسهال مع نهاية عام 2011. لكن البداية الحقيقية لتلك الجهود قد تكون أخف وطأة، حيث يمكن توسعة نطاق استخدام هذا العقار ليشمل علاج مشكلات الجهاز الهضمي، مثل متلازمة تهيج الأمعاء، وهذه سوق تصل عائداتها إلى 14 مليار دولار.
بدأت قصة كونتي في عام 1989 حين كانت تعمل اختصاصية تحليل في ميدان التكنولوجيا البيولوجية لدى إحدى الشركات في مدينة سان ماتيو بولاية كاليفورنيا. وخلال إجازة لها لممارسة هواية التسلق على جبل كليمانجارو، شاهدت أحد زملائها المتسلقين يمضغ تركيبة نباتية اشتراها من صيدلية مجاورة لتهدئة أعراض الغثيان الناجم عن صعود المرتفعات. وكان ذلك مصدر إلهام لها، فقررت على الفور إطلاق شركة جديدة تحت اسم شامان فارماسيوتيكالز، وهو الاسم السابق لشركة نابو لتصنيع العقاقير من النباتات.
ثم قامت كونتي، وهي ابنة لأبوين من الصيادلة، بأخذ 15 قرضا بفوائد مرتفعة، وتعاقدت مع اختصاصي النباتات الطبية ستيفن كنغ، الذي كانت لديه مكتبة تضم 2600 نوع من النباتات، للبحث عن الأصناف النباتية التي تتمتع بقدرات علاجية كبيرة. تمكنت كونتي من جمع 10 ملايين دولار كرأس مال لهذا المشروع من أجل البدء في تقديم طلبات الحصول على براءات الاختراع، ومن أجل بدء التجارب التي تطلبها إدارة الأغذية والعقاقير. وعلى الرغم مما بدا على عقار كروفيليمر من أنه هو الاكتشاف الواعد، فإنا كونتي أنفقت أموالا طائلة على دراسة واستكشاف نباتات أخرى. وبعد 15 شهرا، جمعت كونتي 20 مليون دولار أخرى لدفع أجور عدد من الموظفين الكبار من البيولوجيين والكيميائيين واختصاصيي التجارب التحليلية وخبراء السموم. ارتحلت خلال هذه الفترة مسافات طويلة في رحلاتها الجوية لجمع المال، وهو الأمر الذي دفع مجلة هيميسفير الصادرة عن شركة يونايتد أيرلاينز إلى الكتابة عن ابنها بوبي، عندما تبين أنه سجل قرابة 75 ألف ميل من خلال برامج المسافر الدائم، ليتفوق بذلك على ما بلغه رصيد أي طفل آخر دون سن الثانية.
أما اختبارات المرحلة الثالثة بلغت 4 ملايين دولار شهريا. وفي شهر يناير/ كانون الثاني 1993، صارت شركة شامان شركة ذات أسهم متداولة في ناسداك، رغم أنها ما كانت تملك فلسا واحدا آنذاك، فحصدت أسهمها 42 مليون دولار. كما تمكنت في الاكتتاب الثاني في ديسمبر/ كانون الأول من جمع 20 مليون دولار أخرى. تقول كونتي: كنت قد اجتزت السنوات الأربع الأولى من خطتي الممتدة على 10 سنوات.
إن اهتمام كونتي تحول من تطوير عقار للإسهال الحاد إلى ابتكار علاج لحالات الإسهال المزمن، وهو ما يتطلب تجارب طويلة. ومع نهاية عام 1998، أي بعد 5 سنوات من الاكتتاب العام، خلت أرصدة شامان من الأموال. وبغية إتمام المرحلة الثالثة، أصدرت كونتي سندات بقيمة 20 مليون دولار تحولت إلى أسهم بخصم %20 حسب السعر السائد للسهم في ذلك الوقت. وكان هذا يعني احتمال تحول مزيد من حملة السندات إلى شركات أخرى إن انهارت أسهم شامان. وتقول كونتي معقبة على ذلك: لم تكن أمامنا أي خيارات جيدة.
وعندما شاعت في مطلع 1999 أخبار مفادها أن كثيرين ممن تناولوا مستحضر كروفيليمر لم يصبحوا أفضل حالا ممن تناولوا المركبات الوهمية حيث إن المرضى الذين يعانون إسهالا معتدلا يمكن أن يشعروا بتأثير المركبات الوهمية، انخفضت قيمة أسهم شامان.
هبطت قيمة سهم الشركة إلى ما دون الدولار الواحد، الأمر الذي أدى إلى استبعادها من قوائم ناسداك. وعند ذلك اضطرت كونتي إلى تسريح 80 موظفا من إجمالي طاقمها البالغ 120 شخصا. وبعد فترة قصيرة، انفصلت كونتي عن زوجها بعد زواج دام 8 سنوات. وكان الحل الوحيد أمام كونتي هو القيام بتسويق كروفيليمر ضمن فئة المكملات الغذائية للإسهال، لاسيما أن هذه الفئة من المنتجات لا تعترضها عوائق تشريعية كثيرة، كما هو الحال بالنسبة للعقاقير الطبية.
وفي ذلك الوقت، وبعد أن عانت شح السيولة، وتراكم الديون الضخمة، باعت كونتي 8 ملايين دولار من حقوق الامتياز عالية القيمة، التي يمكن تحويلها إلى أسهم في غضون 15 شهرا بخصم مقداره %95 من سعر السهم. وبعد مرور عامين، لم يتم تحقيق صفقات توزيع كبيرة للمكمل الغذائي. تقول كونتي: شعرت في ذلك الوقت أن كل شيء قد انتهى.
لكن كونتي عثرت على حبل نجاة آخر في شهر مارس/ آذار 2000، وذلك حين سحبت شركة غلاكـسو سميـث كلاين ، التي كانت تعرف في ذلك الوقت باسم غلاكسو ويلكوم، عقار لوترونيكس الذي يوصف لعلاج متلازمة الأمعاء المتهيجة في أعقاب وفاة 5 مرضى بعد تناولهم هذا العقار. لقد أظهرت الاختبارات أنه يؤدي إلى إبطاء آلية فقدان السوائل لدى المرضى، لكنه كان يؤدي أيضا إلى إيقاف الحركة الدودية للقناة الهضمية، وهي حركة عضلات الجهاز الهضمي التي تدفع الطعام في الأمعاء. وكان كروفيليمر يحوي مادة مضادة للإفراز، لكنها لا تؤدي إلى إيقاف الحركة الدودية. ووضعت كونتي خطة في ذلك الوقت لإطلاق المرحلة الثالثة من التجارب لإثبات أن كروفيليمر قادر على علاج الإسهال المرتبط بعقاقير الإيدز.
وفي إجراء شديد الجرأة، أعلنت كونتي إفلاس شامان فتركت المستثمرين من حملة الأسهم صفر الأيدي، وأعلنت عن إطلاق شركة نابو. لقد حظيت استراتيجيتها الجديدة للمنتج وقدرته على علاج تهيج الأمعاء بإعجاب الكثيرين، وتمكنت من الحصول على مبلغ 650 ألف دولار من مستثمرين جدد في عام 2001 واستثمرت هذا المبلغ في شراء الملكية الفكرية من شركة شامان. ثم عمدت إلى عقد صفقة ترخيص مع شــركة غلـيـنـمـارك فـارمــاســـيـوتيـكالـزفي مومباي بعد أن وافقت على توزيع كروفيليمر في 140 دولة من الدول النامية. ورغم ما شهدته السنوات التسع التالية من ركودين اقتصاديين، تمكنت كونتي من جمع 85 مليون دولار. وقد جاء 24 مليونا من هذا المبلغ من اكتتاب عام في سوق لندن للأوراق المالية في عام 2006، فـي حيـن جاءت المبالغ الأخرى مـن مســـتثمرين أغنياء.
ومع حلول عام 2008، تم إنفاق كل تلك الأموال تقريبا، وصوت المساهمون على تحويل الشركة إلى شركة خاصة. وتضيف كونتي: أنفقت أكثر من نصف الـ85 مليون دولار على إجراء التجارب التحليلية. كما أجرينا ما يقارب مليون عملية محاكاة لبياناتنا التاريخية.
وتقول أيضا إنها أنفقت أموالا كثيرة على تسجيل براءات الاختراع في مختلف الدول، وعلى المعدات التصنيعية لأنه، على حد قولها: لا يمكن الدخول في المرحلة الثالثة من التجارب قبل التمكن الفعلي من صناعة العقار بالطريقة نفسها التي يحددها قرار الموافقة عليه.
وقد استغرقت كونتي أيضا وقتا طويلا في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2008 لإبرام صفقة مــع ساليكـس فارمــاســيوتيكــالز، التي وافقت على إكمال التجارب، وتصنيع العقار، وتسويقه للعملاء الغربيين. لكن كونتي تحجم عن الإفصاح عن الحصة التي تحصل عليها نابو. وفي الوقت الذي تترقب فيه نتائج المرحلة الثالثة من التجارب، يبقى احتمال رفض اعتماد كروفيليمر من قبل إدارة الأغذية والعقاقير قائما. يعمل الآن في نابو 12 موظفا يديرون العلاقات مع ساليكس وغلينمارك. وتقول كونتي التي لا تزال تملك %6 من نابو: إن الشركة لديها ما يكفي من الأموال التي تساعدها على الانتقال إلى الربع الثاني من العام 2011. ومن المؤكد أن كونتي لا تزال قادرة على جمع المزيد من الأموال. وهي تختتم حديثها بالقول: إذا جوبهت بالرفض من قبل أي شخص فسوف يكون ذلك صدمة لي، لكنني لن استسلم أبدا.
|