
قبل طرح أسهم فيسبوك للتداول في شهر مايو/ أيار،
كان زكربيرغ البالغ من العمر 28 عاما يحيا حياة وردية. كانت العقبات التي واجهها أثناء
إنشائه لأكبر شركة للتواصل الاجتماعي في العالم ضئيلة، كدعوى مدنية مبالغ فيها مثلا.
والآن، بعد الانخفاض الحاد في سعر أسهم فيسبوك، بأكثر من 40% عن سعر العرض الأولي العام،
يواجه زكربيرغ مشكلة عويصة.
لم يرغب زكربيرغ في الدخول إلى معمعة وضغوط الشركات
المساهمة. ومثل كثير من رجال الأعمال هذه الأيام، أخذ يرقب الأسواق المالية بعين الريبة.
ذكر مارك أندريسن مؤخرا، وهو الشريك المؤسس في شركة (أندريسن هوروويتز-
Andreessen Horowitz)، أن الرأي السائد في
(وادي السيليكون- Silicon Valley) هو
أن القوانين التي
أقرها الكونغرس استجابة لفقاعة الانترنت الأولى، مثل (ساربينز- أوكسلي- Sarbanes-Oxley)، "تجعل التحول إلى
شركة مساهمة أمرا بالغ الصعوبة اليوم". لذا اتخذ زكربيرغ قرارا مصيريا، إذ قرر
أن يبقي فيسبوك شركة خاصة لمدة أطول من قصص النجاح الأخرى مثل غوغل وأمازون.
لكن زكربيرغ ظل بحاجة إلى المال. احتاج إلى
التمويل لتنفيذ خططه ولمنافسة أمثال غوغل أو من سيأتي بعد ذلك ليحقق نجاحا باهرا. كما
احتاج إلى جذب المواهب والإبقاء عليها. لم يكن من الكافي إصدار خيارات أسهم، أو وحدات
أسهم محدودة في هذه الحالة، والتي لا تتحول إلى سيولة نقدية إلا بعد أعوام. ولحل هذه
المشكلة، تحول زكربيرغ إلى المستثمرين المغامرين ومديري الصناديق الوقائية، بل وإلى
أحد أباطرة الأعمال الروس. لكن هؤلاء المستثمرين توقعوا أيضا الحصول على السيولة، كما
أن تلك القوانين المزعجة الخاصة بالسندات المالية قد حدت من عدد المساهمين في فيسبوك
ممن يتيحون لها البقاء كشركة خاصة في الوقت ذاته. وبحلول شهر مايو/ أيار للعام
2012، لم يكن أمام زكربيرغ خيار سوى أن يدشن عرضا عاما أوليا.
مع ذلك، اتضح أن انتظار ثماني سنوات لإطلاق عرض
عام أولي قد أفضى إلى مشكلة يستحيل علاجها. إذ إن الحماس المصاحب لأنجح شركة في وادي
السيليكون قد أوجد توقعات ضخمة وعددا كبيرا من المساهمين بالآلاف الباحثين عن مخرج.
طبق المصرفيون لدى شركة (مورغان ستانلي- Morgan
Stanley) جميع الدروس المستفادة
خلال السنوات الـ15 الأخيرة ووضعوا سعرا مرتفعا للعرض العام الأولي بقيمة 38 دولارا،
في محاولة لاستغلال جميع الأموال وتفادي الارتباك الذي يصحب تقديم عرض عام أولي ضخم.
كما قام ديفيد ايبرسمان، المدير المالي في فيسبوك، بزيادة حجم العرض في اللحظة الأخيرة
ساعيا إلى تخفيف حدة بيع الأسهم في المستقبل من جانب المستثمرين والموظفين الأوائل.
مع مثل هذا التقدير المرتفع في وقت طرح العرض العام الأولي، كان
لزاما على فيسبوك أن تظهر بعض النتائج. لكن الأرقام التي أعلنت عنها فيسبوك يوم
الخميس في تقريرها الربعي الأول للأرباح كانت دون التوقعات. لم تبث شيريل
سانديرغ، مديرة العمليات لدى زكربيرغ وايبرسمان وفيسبوك، ثقة كبيرة حيال نموذج
أعمالهم في إحدى المكالمات الجماعية. وقد قاد المتداولون أسهم فيسبوك إلى
الانخفاض بنسبة 15% في التداول الصباحي يوم الجمعة. قال ايبرسمان: "نشعر
بخيبة الأمل حيال كيفية تداول الأسهم لكن الشيء المهم بالنسبة لنا هو أن نبقي
تركيزنا على حقيقة أننا ما زلنا ندير نفس الشركة كما كنا في السابق".
إلا أن فعل ذلك سيكون بالغ الصعوبة. فالمكاتب الرئيسية لفيسبوك في
مينلو بارك في كاليفورنيا، ليست ملكية جماعية. كما أن الموظفين الذين انضموا الى
الشركة، مثل غيرهم في وادي السيليكون، يرغبون في أن يصبحوا أثرياء. يصعب التخيل أن
معنويات الموظفين في فيسبوك لن تضعف في حال انخفضت قيمة الأسهم التي يملكونها في
الشركة. ولا تبدو المؤشرات واعدة بالنسبة للأسهم على المدى القريب نظرا لأن
الموظفين الحاليين والسابقين ومديري الصناديق الوقائية والمستثمرين المغامرين وأباطرة
الأعمال الروس امتلكوا أسهم فيسبوك قبل العرض العام الأولي سيتحررون من فترات
إغلاق الأسهم ما بعد العرض العام الأولي اعتبارا من شهر أغسطس/ آب. لا شك أن
مؤسسات الاستثمار الأولى ستسعى إلى الخروج.
إن الدرس المستفاد من إخفاق فيسبوك واضح بالنسبة لوادي السيليكون. إذ
ليس بمقدور رجال الأعمال المبتدئين التملص من قاعدة الأسواق المالية مثلما هي
الحال مع رئيسي وزراء اسبانيا وايطاليا. إن العمل في تلك الأسواق يدفع المرء إلى
التركيز أكثر في تفكيره. ربما لم يكن الأوان ليفوت بالنسبة لزكربيرغ وشركاه كي
يتبنوا سياسة الاستفادة من خدمات الهواتف النقالة أو في أن يبادروا إلى تطوير
استراتيجية للسيولة النقدية لو أن فيسبوك واجهت جموع المتداولين في وقت أبكر. وكما
وضح مؤخرا دان لوب، مدير الصندوق الوقائي في نيويورك، تجاه تدخله لحل أزمة
(ياهو- Yahoo!)،
فإن وول ستريت ووادي السيليكون في أمس الحاجة لبعضهما الآخر. لقد ظن زكربيرغ أن
حماية نفسه من أشخاص أمثال لوب ستساعده في بناء شركة أفضل، لكن هذا لن يكون الدرس
الذي سيتعلمه المستثمرون في مجال التقنية من تجربته