
أدت القدرة على قياس الكميات في العديد من مجالات حياتنا
إلى نشوء توجه تكنولوجي جديد؛ ألا وهو مراقبة وتتبع عواطفنا. وتمكن هذه التطبيقات
الأشخاص من تتبع عواطفهم تماما كما لو يتابعون أهدافهم أو يراقبون لياقتهم
البدنية والسعرات الحرارية التي يكسبونها أو يفقدونها. ولكن، هل يمكن لهذه
التطبيقات أن تركز على تتبع السعادة التي أضعفتها حقا؛ لا سيما فيما يتعلق
بالنجاح المهني ونجاح الأعمال؟
إن فكرة قياس كم الأنشطة التي نقوم بها باستخدام أدوات
تكنولوجية ليست بالشيء الجديد؛ فالكثيرون منا من يستخدمون تطبيقات مثل (نايكي +
- Nike+) أو (رن كيبر – RunKeeper) بهدف تتبع مسافة الجري بالأميال، كما يستخدم عداد
السعرات الحرارية مثل (ميل سناب – Meal Snap) لتسجيل كمية السعرات الحرارية المستهلكة، بالإضافة
إلى أدوات مالية مثل (مينت – Mint) لتتبع نفقاتنا.
في عام 2009، تم إطلاق برنامج (تتبع سعادتك – Track your happiness)، وهو برنامج بحث داخل المحمول
يمكن المستخدمين من تتبع سعادتهم واكتشاف العوامل (التي تخصهم شخصيا) المرتبطة
بتحقيق سعادة أفضل. ووفقا لبيانات التطبيق: "يقضي الناس 46.9% من وقتهم في
التفكير بشيء بعيد تماما عما يقومون به حاليا. وفي الواقع، يشكل النشاط الذي
يقوم به شخص ما فقط نسبة 5% من سعادته، بينما كون تفكير هذا الشخص ينصب فعليا أو
لا ينصب فيما يقوم به، فإنه يشكل نسبة 10%". وبعبارة أخرى، العقل التائه عقل
"ليس بسعيد".
وتتخطى بعض التطبيقات ما هو أبعد من هذه الفكرة؛ فهي
تنظر لفكرة السعادة من خلال الشبكة الاجتماعية المحيطة بالفرد. فعلى سبيل المثال، يتيح
(هابستر – Happstr)، وهو تطبيق على جهاز المحمول، للمستخدمين تحديد مواقع جغرافية
يشعرون فيها بالسعادة، كما يتيح لهم رؤية "مواقع السعادة" الخاصة
بالأشخاص الآخرين على الخريطة. والهدف من هذا التطبيق أن تحمل المستخدمين على
التركيز على أفضل لحظات حياتهم وتسجيلها، كما يمكنهم من الاستفادة من رفاه الآخرين
من خلال مشاركتهم سعادتهم التي نشروها على الشبكة الاجتماعية. وقد اعتمد التطبيق
أساسا على البحث الذي يظهر أن سعادة الإنسان يمكن أن تزداد بسهولة من خلال تأثير
مجموعة من الأشخاص السعداء القريبين منه أو منها عليه أو عليها.
وعلى الرغم من أن فكرة تبادل السعادة الشخصية وتسجيلها مثيرة
للاهتمام؛ إلا أن هذه التطبيقات تتصف بالإشكالية حيث أنها تقود إلى التفكير
المغاير. فالسعادة، حالها حال جميع المشاعر، في تحرك دائم ذهابا وإيابا. وهذا
يعتمد على عوامل عدة مثل بصحبة من كنت، ومتى كنت هناك، وكيف كانت حالة الطقس.
وعلاوة على ذلك، وبتتبع درجة سعادتك، قد يقودك هذا التطبيق على الدوام إلى النظر
إلى الوراء بنظارات وردية بدلا من المكوث في الحاضر.
وكما يظهر في دراسة أجريت عام 1995 معنونة بـ "البساطة
والوضوح تقودان إلى التصميم الجيد: التفكير المغاير والارتياح فيما بين الميداليات
الأولومبية"، والتي نشرتها مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي: تتأثر
الاستجابات العاطفية للناس إلى الأحداث بما لديهم من أفكار حول ما قد يحدث. وقد
نشر المؤلفون هذه النتائج من خلال توثيق مناسبة مألوفة يظهر فيها أولئك الذين
وبالرغم من أنهم أفضل حالا بشكل موضوعي إلا أنهم يشعرون بسوء أكبر".
وتقودنا تطبيقات كهذه إلى مقارنة أنفسنا وحالتنا
العاطفية بغيرنا، وهذا من شأنه أن يجعلنا نصب اهتمامنا على ما لا نملك بدلا مما
نملك؛ وهذا بدوره يحجم نجاحاتنا.
ومن المثير للاهتمام أن هذا التفكير ينطبق على جميع
المجالات، فحتى كبار رجال الأعمال الناجحون مثل الفائزين في الألعاب الأولمبية،
يقعون فريسة ذلك. فعلى سبيل المثال، وجدت الدراسة نفسها أن الفائزين بالمركز
الثالث في الميداليات الأولمبية يكونون أكثر سعادة أحيانا من أولئك الفائزين بالمركز
الثاني؛ وهذا يعود إلى أن "الفائز بالميدالية الفضية قد عقد مقارنة فوقية
بينه وبين الفائز بالميدالية الذهبية". وعلاوة على ذلك، يظهر هذا الدليل بين
كبار رجال الأعمال في المجالات التنافسية أيضا. ووفقا لمقالة جينا كاكغرغور التي
نشرتها صحيفة (واشنطن بوست - Washington Post)، كتبت فيها: "يتمثل التفسير
النفسي للطريقة التي ينظر فيها عقلك إلى الميداليات الأولمبية الذهبية والفضية
والبرونزية في أن العظماء في المجالات التنافسية غالبا ما يضعون أنفسهم موضع
مقارنة مع أولئك الذين احتلوا المراتب الأولى، في حين أنه كان بإمكانهم أن
يستمتعوا أكثر بالنجاح الذي حققوه لو أنهم تعلموا مقارنة أنفسهم بأولئك الذين لم
يكونوا قط على مقربة من الفوز".
يقودنا هذا التوجه في تتبع حالاتنا العاطفية إلى
التركيز على ما مضى بدلا من التركيز على ما هو آت. ونستشهد بأقوال دانييل
غيلبيرت، أحد مؤسسي مشروع "تتبع سعادتك"، حيث قال في كتابه (العثور على
السعادة – Stumbling on
Happiness): "يمكن أن تقودنا حقيقة أننا غالبا ما نحكم
على مدى الاستمتاع بتجربة ما من نهايتها إلى اتخاذ بعض الخيارات الغريبة".
إن السعادة هي عاطفة إنسانية بحتة، وليست شيئا يمكن
قياسه كعدد السعرات الحرارية أو الصفقات مثلا. وتماما كما هو الحال بالنسبة
لخاتم المزاج (وهو خاتم يتلون حسب مزاجك وحالتك النفسية ويعبر عنها بالألوان)، فإن
مثل هذه التطبيقات ينبغي ألا تؤخذ على محمل الجد. فمجرد التفكير فيها يشعرني
بالحزن.