هل هي مجرد أزمة عابرة أم أن موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قد تجاوز كل الحدود؟ بعد اتهامها بنشر أنباء كاذبة سوف تُكافح أكبر شبكة تواصل اجتماعي في العالم للهرب من العاصفة الإعلامية التي لحقت بها منذ منتصف مارس بدون تقديم أية تنازلات. الاكتشافات التي أحاطت باستيلاء شركة كامبريدج أناليتيكا على بيانات مستخدميها وحقيقة أنها قد تكون استخدمتها في حملة دونالد ترامب عبر الإنترنت كان لها وقعًا في غاية السوء على سعر الأسهم في البورصة.

تدعي شبكة فيسبوك أنها “مصدومة من وقوعها في مثل هذه الخدعة.” حيث لم يكن أول تصريح من مارك زوكربرج، مؤسس شبكة التواصل الاجتماعي كافيًا لتهدئة حالة انعدام الثقة غير المسبوقة حيث قال “علينا التأكد أنه لا توجد شركات أخرى مثل كامبريدج أناليتيكا” حين تم استدعاؤه لتوضيح موقفه أمام الكونجرس الأمريكي والبرلمانات الأوروبية والانجليزية. وفي محاولة لتهدئة الموقف، لا بد وأن يتعامل فيسبوك مع مستخدميه بقدر أكبر من الشفافية حيال ما يحدث لبياناتهم الشخصية، وحتمًا ستجد الشبكة نفسها واقعة تحت قدرًا أكبر من التدقيق. بينما علّق تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة أبل قائلاً “أصبح الموقف في غاية الخطورة ووصلت جسامة الأمر للحد الذي يستوجب وضع ضوابط خاصة لإدارته”.

لقد أعادت قضية كامبريدج أناليتيكا السؤال الذي يبحث عن إجابة حيال عرض حياتنا الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى الانترنت بصفة أعم لبؤرة الاهتمام. سواء كنا على علم بها أو لا نشر أجزاء من معلوماتنا الشخصية كل مرة ندخل فيها على الانترنت، أو عندما نتواصل مع جهاز متصل بالإنترنت، نعرض أنفسنا لفخ محتمل.

“إنها الآن بنفس أهمية الكهرباء”

في يومنا هذا تشكل البيانات جزءًا مركزيًا في كيفية عمل مجتمعاتنا واقتصاداتنا. هذا يعني انها واحدة من أكثر الموارد أهمية في القرن الواحد والعشرين: “البيانات هي الكهرباء بالنسبة للاقتصاد الجديد” حسب تعبير الشخص الذي كشف عن فساد كامبريدج أناليتيكا التي بدأت كل هذه الضجة. فكلما تحسن أداء برامج الذكاء الاصطناعي وأجهزة الحاسب، كلما أنتجت مجتمعاتنا بيانات وكلما زاد الاهتمام بهذه البيانات مما سيُضاعف من فرص الاستفادة (مثل الأبحاث الطبية والخدمات الجديدة) ولكنه أيضًا سوف يزيد من فرص الاختراق والاستخدام الضار؛ فما عليك إلا أن تلقي نظرة على حالات التصويت الأخيرة – مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية أو الفرنسية أو مثل التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والجدل الشديد حول ما إذا كان قد حدث تلاعبًا بالآراء من خلال تأثيرات خارجية.

في مثل هذه الحالات، حماية المعلومات الشخصية أمر في غاية الأهمية. وفقًا لتعريف (المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي)، يجب تنظيم هذه الحماية من خلال سبع مبادئ رئيسية أن تكون: نهائية وتناسبية وملائمة للموقف وبيانات محادثة محدودة وآمنة وسرية وتتميز بالشفافية وتحترم الحقوق الفردية. في الولايات المتحدة الأمريكية، الصناعة – التي تبني قيمتها على استغلال هذه البيانات مثل الفيسبوك والتي لها مجموعة كبيرة من المستخدمين تقدر ب 2 مليار مستخدم-خرجت عن إطار القوانين المفروضة وبدون أي حماية مؤسسية حقيقية على الإطلاق. وعلى العكس، في أوروبا يتم التعامل مع سوء استخدام البيانات الشخصية بغاية الجدية وخير دليل على ذلك الضوابط العامة لحماية البيانات التي وضعها الاتحاد الأوروبي والتي تدخل حيز النفاذ في مايو 2018. صُممت هذه الضوابط لضمان حقوق الأفراد (مثل الحق في الوصول للبيانات والحق في النسيان ونقل المعلومات)، مع اتخاذ قرارات أعمال مسؤولة في البيانات التي يجمعونها.

القيم الجوهرية في سويسرا

إذا كانت هناك دولة تهتم بالسرية أكثر من أي شيء آخر فهي سويسرا، والتي جعلتها أحد قيمها الجوهرية. والدليل على ذلك لا يظل المجتمع السويسري ملتزمًا بشدة باحترام الحياة الخاصة للناس في عالم يخضع لما يعتبره المعلقون “دكتاتورية الشفافية”، حتى أن السلطات السياسية استقرت بعد مناقشات حادة على الإبقاء على سرية الحسابات البنكية للعملاء السويسريين بعد أن اضطرت لسحبها من العملاء الأجانب.

ومن الواضح أن هذا الانقسام في الآراء قائم على مبدأين متناقضين والذين نجدهم هذه الأيام متعارضين في عالم البنوك الخاصة: السرية وحماية المعلومات من جهة في محاولة للاستعداد للتبادل التلقائي للمعلومات، اتفقت البنوك على عمل استثمارات ضخمة للوفاء بالتزاماتهم في جمع البيانات وتقديمها للسلطات الضريبية. كما تنطبق الالتزامات النظامية نحو المعلومات التي تحتفظ بها البنوك عن عملائها على رصد المعلومات التي تتراوح من مصدر الثروة إلى نسبة المخاطرة فيها ومعرفتهم المالية. ولكن من جهة أخرى، لم تقدم البنوك أبدًا جهدًا ماليًا وماديًا لضمان الحفاظ على بيانات العملاء وحمايتها.

حماية الخصوصية

فهل هذه مفارقة؟ لا على الإطلاق. في حين أن نموذج أعمال فيسبوك قائم على الحصول على عروض تجارية من بيانات مستخدميه، ما يحدث في البنوك الخاصة هو العكس تمامًا وتحديدًا هو القدرة على ضمان-وفقًا لما يفرضه القانون-سرية البيانات التي يستأمنهم عليها العملاء.

في العالم الذي يتم فيه جمع كميات هائلة من المعلومات والاستفادة المادية منها، تتزايد فيه الأهمية المنصبة على حماية المعلومات، فأهمية حماية البيانات تكاد تكون أكبر من البيانات نفسها. لذلك نجد أن المناقشات الدائرة حول الدفاع عن حياة الأفراد الخاصة وتنظيم التعامل مع البيانات الكبرى وممارساتها ذات أهمية قصوى في هذه المرحلة.