تتصدر قضيتان قطاع الصحة عالمياً، وهما: توافر الرعاية الطبية، والالتزام بتناول الأدوية الموصوفة كعلاجات. فيما تبحث القضيتان أساساً، مدى توافر الرعاية الصحية اللازمة للمرضى، والتزامهم بتناول الأدوية التي يصفها لهم أطباؤهم.

لقد أصبح واضحاً أن فهم سلوك المرضى والطرق التي ينبغي لمقدمي الرعاية الصحية اتباعها في العمل، مرتبط ببحوث ودراسات الصحة. إذ وجدنا في جزء من بحوثنا في جامعة هارفارد، علاقة مهمة بين عدد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسكانية، والالتزام بتناول الأدوية الموصوفة، عبر استقاء بيانات من استطلاعات الصحة الجارية باستمرار في أميركا.

بينما انصب التركيز على الالتزام بتناول الأدوية الموصوفة كعلاجات للمرضى الذين تبين أنهم يعانون من ارتفاع ضغط الدم، لأهمية هذا المرض وانتشاره حول العالم. وما وجدناه كان يمثل علاقة قوية بين تغطية عقود التأمين الصحي، ودرجات التردد على الأطباء، والالتزام بالأدوية الموصوفة.

كذلك ارتفعت احتمالات عدم تناول المرضى الذين لم يزوروا الأطباء خلال عامين، لأدوية معالجة ارتفاع ضغط الدم 5 أضعاف. أما المرضى الذين لم يزوروا الأطباء لمدة عام واحد، فارتفعت احتمالات عدم التزامهم بتناول الأدوية الموصوفة 3 أضعاف تقريباً. وارتفعت تلك الاحتمالات عند المرضى غير المتمتعين بالتأمين الصحي بمقدار الضعفين. لكن إلى جانب ظهور عدد من الأسباب التي تفسر تزايد تلك الاحتمالات، تبقى الموارد المالية سبباً رئيساً في ذلك.

وقد يتساءل الناس عن سبب كون الالتزام بتناول الأدوية الموصوفة قضية مهمة. وهنا توضح مقالة أعدها زوليغ وبوسوورث، ونشرتها (New England Journal of Medicine Catalyst) عدم تناول نحو نصف المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة لأدويتهم التي حددها لهم الأطباء. كما أوضح المقال أن أكثر من 300 مليار دولار من تكاليف الرعاية الصحية في أميركا تصرف سنوياً بسبب عدم الالتزام بتناول الأدوية الموصوفة.

في حين ينظر من لا يملكون الموارد المالية إلى الرعاية الصحية بوصفها عبئاً مالياً، سيما في المناطق التي تفوق فيها تكاليف المعيشة مداخيل الناس. إلا أن المهم هو في النتائج المدهشة لمواصلة الالتزام بتناول الأدوية- حتى لمجموعة المرضى العارفين بأوضاعهم الصحية. فضلاً عن الذين لم تشخص حالاتهم الصحية لخوفهم من تحمل تكاليف العلاج.

وهذا يكثر غالباً في مناطق مثل الشرق الأوسط؛ إذ بالنظر إلى أن معظم السكان خارج نظم الرعاية الصحية الأكثر تطوراً في دول مجلس التعاون الخليجي، باستطاعة العديد من الجهات التي تقدم الرعاية الصحية في المنطقة، سرد قصص عن مرضى كانوا قد أجلوا فحوصاتهم الطبية بسبب نقص المال. فيما يسهم الاعتماد على عيادات القطاع الخاص، ووجود شريحة كبيرة من المواطنين غير المتمتعين بالتأمين الصحي، إسهاماً جلياً في هذا الشأن.

وتبين حتى الأرقام واقعاً أكثر قتامة. فوفقاً للبنك الدولي، وقاعدة بيانات التكاليف الصحية حول العالم- الصادرة عن منظمة الصحة العالمية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة- بلغت نسبة تكاليف الرعاية الصحية التي ينفقها الناس من أموالهم الخاصة 18% من مجموع تكاليف الرعاية الصحية حول العالم في عام 2014 (آخر إحصاءات سنوية متوافرة). على النقيض من ذلك، ارتفعت هذه النسب ارتفاعاً ملحوظاً في دول منطقة الشرق الأوسط، مثل اليمن بنسبة 76%، والمغرب 58%، ومصر 56%، وسوريا 54%، وإيران 48%، وتونس 38%، ولبنان 36%. وإذا ما أخذنا في الاعتبار عدم تحسن هذه الأرقام بشكل ملحوظ على مدى عقدين من الزمن، فإن الحلول المالية قد تؤدي دوراً هائلاً في هذه الدول.

وما يمكنه تحقيق نتائج صحية نوعية في هذه البيئات، هو تمكين هؤلاء المرضى من مراجعة أطباء عامين، لإجراء الفحوصات الطبية بانتظام، وتقديم برامج مساعدة علاجية، لتخفيف تكاليف العلاج عن كاهل المصابين بأمراض مزمنة تحديداً. وسيكون الأثر عظيماً على قطاع الصحة، إذا ما نفذت هذه التدابير، نظراً لأثرها على شرائح واسعة من السكان.

في حين يجري التركيز على قدرات تقنية تعلم الآلة في القطاع الصحي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والرعاية الصحية الذكية التي تتيحها التكنولوجيا. كما ستحسن الاستثمارات في التكنولوجيا الجديدة والحقول المتخصصة مخرجات قطاع الصحة بكل تأكيد. لكن بالتوازي مع ذلك، ستبرز الحاجة إلى الاهتمام الجاد بتمويل الإنفاق على الرعاية الصحية لفئة المحتاجين.

تأتي المنطقة في الطليعة على صعيد الشركات والسياسات التي تعالج أحد أهم أسس الرعاية الصحية، قبل الانتقال إلى إرساء البنية التحتية المتطورة. ويتمثل هذا الأساس بالحاجة إلى تلقي الرعاية الصحية وتسديد أثمان العلاجات، على أمل تطوير مخرجات قطاع الصحة والمساواة الاجتماعية.