عندما قرر أنطوان صعب العودة إلى لبنان في عام 2010 بعد أعوام عدة مديدة من الإقامة في كندا والسعودية، كان يصبو إلى عيش حياة باذخة.

يقول:”قررت وقف أعمال شركتي الناشئة والعودة إلى لبنان، لأخذ قسط من الراحة والاسترخاء أمام حوض السباحة وتدخين السيجار”.

كان هذا القرار بعد عقود من العمل في مجال الهندسة، بما فيها العمل لفترةم ن الزمن كمديرتنفيذي في  Turbine Energy الشركة الناشئة التي تملكها شركة الأمير السعودي سعود بن فهد بن عبد العزيز .National Trigeneration CHP Company

وبالرغم من تجديد عقد عمله عامين آخرين، إلا أنه قررالعودة إلى لبنان.

لقد كان للعائلة أثربالغ في قراره، إذ أدرك بعد أعوام من العيش خارج البلاد أنه بعيد عن العائلة والأصدقاء. لكنه كحال الكثير من اللبنانيين، شعر بالإحباط من الانقطاعات اليومية في شبكة الكهرباء، التي لم تتعافَ بنيتها التحتية تماماً منذ الحرب الأهلية. فيما عمد الميسورون إلى تعزيز حصصهم من الطاقة التي توفرها الحكومة بشراء مولدات كهربائية.

هناك لم تعد آلة إعداد القهوة التي يملكها صعب مفيدة. يقول: “إنها تعد لي قهوتي ومزودة بجهاز توقيت لإيقاظي في ال 7 صباحا، عندما استخدمتها في لبنان أيقظتني في ال 10:30″ بسبب قصور التيار الكهربائي”.

ولحل هذه المشكلة، طور نظام تخزين للطاقة من الألواح الشمسية أو من الشبكة الكهربائية، بحيث لا يحتاج إلى استخدام مولدات تعمل بالوقود الملوث للبيئة.

ومن هنا قرر تأسيس شركته الخاصة، وأسماها  E24  تيمناً بهدفها المتمثل في التأكد من حصول الناس على الطاقة الكهربائية على مدار 24 ساعة.

يقول نديم فرج الله، مدير برنامج التغير المناخي والبيئة في الجامعة الأميركية ببيروت: “وجدنا في دراسة عن تأثير مولدات الكهرباء العاملة بوقود البنزين، أن الناس الذين يعيشون بالقرب منها معرضون لانبعاثات عوادمها المسببة لمرض السرطان”.

“إن همي الأول نابع عن الناحية الصحية، يتبعه قلقي من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون”. وإلى جانب الفوائد الصحية والبيئية المتحققة من التخلي عن مولدات الكهرباء، يؤكد صعب على أن ابتكاره يوفر الكهرباء بأسعار أرخص من الأثمان المدفوعة للحصول عليها عبر الشبكة العامة.

فعند انقطاع التيار الكهربائي، يحرر نظام التخزين الذي تعتمده E24  الطاقة الكهربائية المخزنة بانتظام، مبقياً المصابيح مضاءة والثلاجات عاملة. يستذكرصعب ضاحكاً: “توقف المولد عن العمل في أحد الأيام، ونفدت الكهرباء لدى الجميع. ولأني كنت أستخدم نظام التخزين، سألني جيراني: من أين سرقت الكهرباء”.

فيما يشبه نظام التخزين المبتكر طريقة عمل مزود الطاقة غير المنقطعة، غير أن إمكانات استخدامه ذات نطاق أوسع وأكبر. فأجهزة تزويد الطاقة غير المنقطعة تخزن الطاقة وتحررها عند انقطاع التيار الكهربائي، لكنها تستخدم على مستوى أصغر، يتركز معظمه في أجهزة الحاسوب المكتبية. ولهذا يتطلع عملاء صعب إلى مد منازلهم أو حتى مصانعهم بالكهرباء.

ومع أن حلول تخزين الطاقة منتشرة على مستويات كبيرة في أميركا والقارة الأوروبية، يشير صعب إلى تعسر انتشارها في الدول النامية، نظرًا لعدم ثبات تيارات الطاقة الكهربائية. إن الأمر ليس سهلاً كابتكار وحدة تخزين طاقة وحسب، إذ تعين عليه احتساب الجهد الكهربائي المتذبذب والتردد أيضاً.

يوضح بقوله: “إنها مكلفة وتحتاج إلى العمل والتطوير، كما أنها ليست مهمة سهلة”. في الحقيقة، وبالرغم من عمله لعقود في مجال الطاقة، إلا أن ابتكار وحدة تخزين طاقة استغرق منه نحو عامين من البحث والتطوير. ومنتج الشركة التي تأسست رسمياً في عام 2011 ، لم يطرح على أسس تجارية إلا في عام 2013 .

لقد استهل صعب مسيرته المهنية في مجال الهندسة الكهربائية بالعمل لدى  American Power Conversion  في لبنان، وهي منتجة حلول الطاقة المساندة المتمثلة في مزودات الطاقة غير المنقطعة أو أجهزة التزويد المستمر للطاقة.

كما عمل في وزارة الدفاع الوطني اللبناني، ومع الجامعة الأميركية في بيروت التي تخرج منها. يقول: “عملت في جوانب الطاقة جميعها في لبنان”. إلى أن تلقى في النهاية عرضاً للعمل مع العائلة المالكة السعودية كمدير تنفيذي لشركة  Turbine Energy  قبل عودته إلى لبنان في عام 2010 وتأسيس شركته الخاصة.

كما فاز بمسابقة كأس الشركات الناشئة التي نظمتها “مجموعة بادر” اللبنانية في ديسمبر/ كانون أول 2014 . ثم أمضى العام التالي يجمع الأموال، ويتلقى العروض من 3 شركات استثمار رأسمالي، وعقد شراكة مع  Leap Ventures  ومقرها بيروت في ديسمبر/ كانون أول 2015 ، وجمع 3 ملايين دولار من 15 مصرفاً في لبنان، منها:

Bank Audi  و Fransabank  و  SGBL  و Blom Bank  و Byblos

Bank . لكن شأنها شأن معظم الشركات الناشئة، بدأت ببضعة موظفين فقط.

وبعد تلقيها الاستثمارات، وظف صعب 30 شخصاً، ويتوقع تكوين فريق من 60 موظفاً بحلول نهاية العام الجاري. كذلك وسع أنطوان صعب والمؤسسة المشاركة نادية موسوني، منذ حصولهما على

التمويل، أعمال الشركة لتخدم المنازل والشركات والمصانع، لكن لم يفصح صعب عن أسعار خدمات الشركة.

في حين تصنع شركته مولدات الطاقة أيضاً، بما فيها الألواح الشمسية. ويسمى أحد المنتجات  eParking  ويتمثل في ألواح شمسية ضخمة تناسب الشركات التي تزود مواقفها الخارجية بمظلات، حيث يمكنها إضاءة المبنى في الوقت ذاته ويرى أنطوان صعب أن مبيعات  E24  تتوزع بالتساوي بين نظم تخزين الطاقة والألواح الشمسية.

كما تعمل الشركة الناشئة مع الحكومة، فتبني شركة E24 محطات الطاقة الشمسية، ثم تبيع الطاقة التي تولدها المحطات لمؤسسة الكهرباء الحكومية  Electricite Du Liban  بموجب اتفاقات البناء والتملك والتشغيل التي تلزم  E24  ببناء محطات الطاقة الشمسية وامتلاكها وتشغيلها وإدارتها على نفقتها الخاصة.

بينما يحاول صعب جعل الجهات المزودة لخدمة الطاقة الكهربائية من عملائه، والتي غالباً ما تضطر إلى وصل مولدات إضافية بالشبكة الكهربائية لتوليد الطاقة اللازمة خلال الأيام التي يصل فيها الاستهلاك ذروته، وهو بدوره يريد استبدال هذه المولدات ب  .eUtilities ويولد نظام شركة  E24  المصمم بشكل خاص طاقة كهربائية تبلغ 2,000 كيلوواط في الساعة، أي طاقة كهربائية كافية لشحن 2,000 جهاز هاتف ذكي لعام كامل.

أما اليوم فتختبر الشركة مفهوماً جديدًا يسمى  eVillage  إذ ستضم قرية بكرزاي في منطقة الشوف الواقعة جنوب مدينة بيروت 50 مسكناً، ومطاعم وأحواض سباحة ومتاجر، بالاستفادة من حلول الطاقة التي توفرها  E24 . فيما مول مشروع “قرية بكرزاي” بمصادر مالية خاصة، وهو عبارة عن محمية طبيعية وثقافية أنشأها رمزي سلمان، وتدار بوصفها منتجعاً.

ويعمل الحرفيون هناك في صناعة الفخار، وتشتهر القرية بإنتاج الصابون وزيت الزيتون والعسل. وقد باعت الشركة لرمزي سلمان منتج eVillage  وتمده بالدعم الفني عند الحاجة.

يقول صعب: “طورنا تقنية  eVillage  من العدم، لنتمكن من إمداد قرى كاملة بالطاقة الكهربائية على نحو دائم، باستخدام الطاقة الشمسية بدلاً من اللجوء إلى المولدات الملوثة للبيئة”. كما يشير إلى أن كل منزل مزود بجهاز قياس طاقة لتتبع الاستهلاك، وتستخدم كل المنازل بطاقات الدفع المسبق لتسديد أثمان الطاقة التي تستهلكها فقط.

فإذا لم تتوافر الطاقة الشمسية، وهو أمر نادر الحدوث كما يقول صعب، تقدم شركة  E24  للقرية مولدات مساندة. أو تلجأ الشركة إلى استخدام نظام  eParking  لتركيب الألواح الشمسية في المساحات المحدودة، فالقرية صغيرة المساحة.

قرية بشعلة في الشمال اللبناني هي الوجهة التالية، حيث ستمد  300  ملكية عقارية بتقنية الشركة ونظم تخزينها في صفقة أبرمت مع بلدية القرية . وعلى الرغم من أن الشركة ستمول المشروع، إلا أن المزيد من القرى تنتظر اعتماد التقنية بمجرد الانتهاء من العمل في بشعلة.

وتستمد وحدات التخزين، التي تعمل ببطاريات تستبدل بعد فترات زمنية تتراوح بين 6 سنوات و 10 سنوات فقط، الطاقة من مصادر متعددة، مثل: الألواح الشمسية أو الطاقة الكهربائية التي توفرها

الحكومة بناء على الوفرة والثمن، ثم تخزنها لاستغلالها أثناء انقطاع التيار الكهربائي. ويبلغ حجم البطارية حجم مقعد صغير تقريباً، بعرض 100 سم وارتفاع 60 سم وعمق 55 سم.

وهناك منتجات أقوى، مثل  eTelecom  تولد طاقة شمسية يمكنها مد المستخدمين بالكهرباء لمدة تصل إلى 10 أيام من دون سطوع الشمس. كما تتضمن نظامتحكمعن بعد يمكن المستخدمين

من مراقبة استهلاكهم للطاقة. وهو تقنية يتعاون لصنعها صعب مع نحو 21 صانعاً حول العالم، حيث يتولى كل منهم صنع جزء من أجزاء المنتج النهائي. يقول: “لقد انتهجنا أسلوباً يشبه أسلوب  IKEA  في الواقع. فنحن نحاول تبسيط التقنية وتجميعها من مكونات وأجزاء جاهزة الصنع”.

واليوم ينوي افتتاح مصنع في بلغاريا بهدف توسيع أعمال الشركة ويتوقع دخول قارتي أميركا الشمالية وأوروبا بحلول منتصف عام 2018 .

لقد سبق له أن بدأ في التوسع إقليمياً، بمشاريع جديدة مرتقبة في العراق، ومشروع واحد في كينيا لصالح منظمة غير ربحية. لكن حسب تقديره، فالطاقة الشمسية أقل كلفة من الطاقة الكهربائية المولدة من الشبكةب 3أضعاف،واعتماد نظام تخزين يستند في معظمه إلى الطاقة الشمسية أقل كلفة من استخدام المولد الكهربائي ب 5 أضعاف على الأقل.

مع ذلك كله، لم تحل مشكلة انقطاع التيار الكهربائي لأسباب عدة. ويرى أن قصور البنية التحتية التي تخدم شركته في لبنان، يعقد عمله أيضاً، وهو عمل يجري في مجال يصعب تطويره نظرًا لتكاليفه المرتفعة وحاجته إلى عمال ماهرين. وحتى الآن، استقطبت شركة E24  نحو 350 عميلاً، منها شركة تزويد معدات المطابخ  ،Meker  ويرى صعب أنهم مرشحون للتزايد سريعاً.

بعد عقود قضاها في المجال، واطلاعه على الجهات البارزة فيه، ينسب أنطوان صعب جزءًا من نجاحه إلى خبرته في هذا المجال على صعيدي المعرفة النظرية، وتجاربه العديدة الناجحة والأخرى التي لم يحالفه فيها الحظ. يقول: “عندما تعمل في صناعة بطاريات الطاقة طوال حياتك، يصبح الأمر في غاية السهولة”.