في التسعينات من القرن الثامن عشر عند تركيب مفاتيح الكهرباء في البيت الأبيض، رفض الرئيس الأمريكي في ذلك الحين بنجامين هاريسون أن يلمسهم خوفًا من أن تصعقه الكهرباء. وطوال فترة رئاسته، كان يطلب من مساعديه أن يضغطوا على المفاتيح.

نفور هاريسون من مفاتيح الكهرباء هو أحد الأمثلة البسيطة عن التخوف الطبيعي الذي قد ينتاب شخصًا عاقلًا من التغير التكنولوجي. وهناك أمثلة أخرى كثيرة على ذلك. فمن الصعب أن نتخيل الآن أن الكثير من الأشخاص قاطعوا القطارات البخارية في بداية ظهورها، ظنًا منهم أنهم إما سيتعرضون للاهتزاز حتى الموت أو سوف يجدون صعوبة بالغة في التنفس في مثل هذا القطار السريع الحركة.

وحتى الآن هناك أمثلة على ذلك، ولا تزال حاضرة في تجمع صانعي السياسات والسياسيين ورجال الأعمال من جميع أنحاء العالم في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. ويأتينا التجمع هذا العام في ظل استمرار حالة التخبط السياسي وغياب العدالة الاجتماعية على الرغم من وجود شواهد إيجابية على النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا.

وأحد أهم موضوعات النقاش وأكثرها سخونة، بحق، هو كيفية استجابة المجتمع للتطور السريع في الذكاء الاصطناعي. فالعمال في جميع أنحاء العالم في حالة قلق من المستقبل، والتقنية هي أحد أسباب هذه المخاوف. في العديد من الأسواق المتطورة هناك شعور بأن العمل غير مستقر وغير آمن، وسط مخاوف من فقدان وظائفهم نتيجة للتطورات التقنية. وهذا التخوف له ما يبرره. فالابتكارات الحديثة، بدءًا من الأتمتة وصولًا لتحليلات البيانات الكُبرى، تغير طريقة العمل في الكثير من القطاعات.

هذا وقد صدر مؤخرًا تقرير عن معهد مكنزي العالمي ينبئ بتوقعات عن احتياج أكثر من ثلث قوة العمل الحالية بالولايات المتحدة الأمريكية للانتقال لمهنة جديدة قبل حلول عام 2030. كما أشارت دراسة بحثية قادها المؤتمر الاقتصادي العالمي في مايو الماضي عن منطقة الشرق الأوسط أن 41% من جميع نشاطات العمل في الكويت سوف تصبح مؤتمتة قبل حلول هذا التاريخ. بينما هناك توقعات لوصول نسب الأتمتة في البحرين والمملكة العربية السعودية لنسبة 46% وفي الإمارات العربية المتحدة لنسبة 47% وفي مصر لنسبة 49% وفي المغرب وتركيا لنسبة 50% بينما سوف تصل نسب الأتمتة في قطر إلى 52%.

أما في المملكة المتحدة، توقعت مؤسسة “ريزوليوشن فاونديشن” مؤخرًا أنه من الممكن أتمتة ما يصل إلى 35% من الوظائف خلال 15 سنة. ونفس الحال ينطبق على الكثير من الاقتصادات المتقدمة. ولقد انتهى مفهوم الوظيفة التي يستمر بها الموظف طوال حياته الوظيفية مما يدعونا لإدارة الإيقاع السريع للتغيير ليتم بشكل يسمح للتقنية بالازدهار ولكنه في نفس الوقت يساعد على توجيه الجهود نحو صالح البشر.

ينعقد منتدى دافوس هذا العام تحت شعار “بناء مستقبل مشترك في عالم مفكك”. وهذا لن يكون مُمكنًا بدون التعاون بين الحكومة والمجتمع المدني للإشراف على النماذج الجديدة للملكية والحوكمة. هذه النماذج يجب أن تنشر المنفعة من التغير التقني، بدلاً من التركيز على المنافع التي تصب فقط في مصلحة قلة قليلة من النُخب.

كان أحد التقارير التي نشرها معهد المملكة المتحدة لبحوث السياسات العامة الشهر الماضي قد ألقى الضوء على هذه الرسالة. حيث حذّر المفكرون أنه ما لم تتم إدارة الموقف بفاعلية وتحت إشراف حكومي، فقد تؤدي زيادة الأتمتة لتفاقم مشكلات العدالة الاجتماعية وتقليص أجور العمال الأكثر فقرًا مع زيادة دخل المبدعين والعمال ذوي المهارات العالية.

ولكن الذكاء الاصطناعي ليس هو السبب في تصدع المجتمع التي يحاول التجمع في جبال الألب السويسرية مناقشتها. ولا كان هو العامل الذي أدى لانتهاء الوظيفة التي تستمر طوال حياتك الوظيفية. ففي النهاية تهدف هذه التقنية إلى زيادة ما يمكن للناس تحقيقه وليس تقليص إمكاناتهم. وكل ما تحتاجه هذه التقنية الجديدة هو فقط أن نتقبلها.

مثالاً على ذلك، التغير في مجال الزراعة من استخدام الأحصنة لاستخدام الميكنة تسبب في خسارة وظائف على المدى القصير ولكنه جعل الصناعة أكثر كفاءة ورفع الإنتاجية بطريقة خلقت فرصًا اقتصادية أفادت عددًا أكبر بكثير وخلقت المزيد من فرص العمل على المدى الطويل.

وأنا متفائل وأعتقد أن الذكاء الاصطناعي قادر مع غيره من التقنيات الجديدة على زيادة ما يمكن للبشر تحقيقه بدرجة كبيرة. وفكرة أن الروبوتات قادرة على أن تحل محلنا هو محض خيال. وعلى واضعي السياسات العالميين تقديم إطار عمل يسمح لهذه التقنيات بالازدهار لما يحقق خير المجتمع. إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتغلب على التحديات الكبرى التي تواجهها الإنسانية من خلال الاستفادة من الكميات غير المسبوقة من البيانات التي تولد الآن وتغطي كل شيء من صحة البشر وحتى التجارة.

أما في قطاع إدارة الأصول، فلا يمكننا دفن رؤوسنا في الرمال بشأن الذكاء الاصطناعي. فهو على الأقل سيؤدي إلى تحول بعض الشركات التي نملكها وسيقودها لفرص استثمارية جديدة ويجب علينا أن نكون مستعدين لها. كما يمكن أن يزيد الذكاء الاصطناعي قدرات مدراء الصناديق الاستثمارية لدينا بدرجة عظيمة من خلال غربلة ومعالجة وترتيب الكم الهائل من المعلومات التي في حوزتنا الآن.

لكن الحاجة لمديري الصناديق العاملين لم تنتهِ، فهم مطلوبون لمحاسبة القادة والتأثير على أساليب غرف الاجتماعات في تناول المسؤولية الاجتماعية والتحديات البيئية على سبيل المثال. ولذلك لن تنتهي أبدًا الحاجة للبشر.

يجب علينا جميعًا ألا نكون مثل الرئيس هاريسون. يجب ألا نخاف من الضغط على مفتاح كهرباء هذا العصر.

مارتن جلبرت هو الرئيس التنفيذي المساعد في ستاندرد لايف أبردين