Opinion



March 12, 2018,   12:06 PM

لماذا يجب على القادة هيكلة شركاتهم في العصر الرقمي؟



توكا كونتينن

FULL BIO

بقلم: توكا كونتينن، رئيس تنفيذي لدى (Reaktor) في الشرق الأوسط وأفريقيا

[caption id="attachment_48049" align="alignleft" width="300"] Processed with VSCO with hb2 preset[/caption]

ينظر إلى الثورة الرقمية في أساسها كأي ثورة، من حيث فرضها للتغيير وترسيخ دعائم جديدة لأداء الواجبات والأعمال. وبالتالي من المنطقي أن ينتج عنها رابحون وخاسرون وفقاً لمستوى الاستجابة. فمثلاً أولئك الذين لا يتماشون مع حركة التغيير في النظام الجديد سرعان ما يخسرون مواقعهم فيه.

في الواقع، إننا نحيا ثورة رقمية منذ عقد من الزمن. وبينما تقبلت معظم المنظمات التقليدية الحاجة إلى التغيير، لم تتبنّ جميعها هذا التوجه، بشمولية الطرق أو السبل الجديدة لتأدية الواجبات والأعمال. ويكمن التحدي الجوهري الماثل أمام تلك المنظمات في تعلقها وتمسكها بالآليات المتأصلة منذ الحقبة الصناعية، حيث كانت الهياكل الهرمية المعقدة التي ينساب التسلسل القيادي عبرها بوضوح من الأعلى إلى الأسفل، ضرورية لنمو الشركات إبان الثورة الصناعية. وحيث تعد هذه الآليات- التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا- فاعلة في دفع القوى العاملة لتنفيذ الأوامر وتشغيل العمليات، يمكن القول إنها ليست مصممة لمجابهة التحديات الجديدة التي تواجه الشركات، والمتمثلة في الابتكار والتطور والسرعة.

وبالرغم من أن التسلسل الهرمي ليس نقيضاً في حد ذاته لمعطيات العصر الرقمي، إلا أنه قد يكون عدو الابتكار من نواحٍ عديدة. إذ يفرض ثقافة طلب الإذن أو التصريح لتنفيذ الواجبات والأعمال. ويتطلب تنفيذ فكرة على أرض الواقع وتحويلها إلى مشروع فعلي، كفاحاً طويلاً وعسيراً للحصول على الإذن أو التصريح، فضلاً عن مروره بعملية طويلة من الموافقات اللازمة.

لكن لا يتحقق الابتكار السريع بسهولة في بيئة تتحاشى المخاطر، سيما في الشركات التي تخشى المخاطرة بطبيعة الحال. كذلك مركزية القرارات في العمل غالباً، حيث يطلب العاملون الإذن أو الموافقة لأداء أبسط المهمات، كطلب كرسي جديد للمكتب.

ما البدائل إذاً؟ قد تختار هيكلاً تنظيمياً أقل تعقيداً منذ البداية. وقد لا يحتاج هذا الهيكل التنظيمي إلى أقسام وإدارات معزولة، أو إلى الكثير من الرؤساء، بل يتطلب بدلاً من ذلك فرق عمل مستقلة، تتألف من أعضاء يتمتعون بكل المهارات المطلوبة. فيما يوفر هذا الأسلوب حرية الأفراد للسعي إلى تحويل أفكارهم إلى مشاريع قائمة بسرعة، من دون التقدم باستمرار لطلب الإذن أو الموافقة، أو الخوف مما قد يعتقده رؤساؤهم. إن غياب هيكل تنظيمي صارم يعني تمكين الأفراد وفرق العمل المعنيين بالأفكار المطروحة والمهمات، القدرة على اتخاذ معظم القرارات. ويمكننا بالاستناد إلى خبراتنا القول أيضاً إن هذا الأسلوب يساعد من دون شك على جذب المواهب المبدعة والحفاظ عليها.

لكن على الرغم مما تقدم ذكره، فالتحول إلى اعتماد هيكل تنظيمي أبسط على امتداد كل المؤسسة، قد لا يكون خياراً واقعياً للكثيرين، في حين يمكن تطبيقه على مستوى أصغر لتحسين الابتكار. فقد ولدت أعظم الابتكارات في العالم من رحم التجارب والاختبارات، حيث يستطيع الأفراد تبادل أفكارهم بحرية، والمضي في تحقيقها، دون القلق مما قد يظنه الرؤساء. فيما بدأت حتى أكثر المنظمات التزاماً بالتقاليد والهياكل التنظيمية القديمة بتبني هذا الأسلوب، معطية فرق العمل الاستقلالية لتطوير الأفكار خارج نطاق هيكل الشركة وتسلسلها الهرمي الاعتيادي. فالجيش الأميركي، الذي يقال إنه يقوم على واحد من أكثر الهياكل التنظيمية صرامة، انتقل إلى العمل بفرق مستقلة أصغر حجماً، وخارج نطاق تسلسل القيادة أو السلطة المتعارف عليه، بهدف تحسين استجابته للتهديدات الخارجية.

أما البحث عن الأسلوب "الجديد والصحيح" قد يكون في حد ذاته عقبة كبرى ضد اللحاق بالابتكارات الرقمية والتماشي معها. ومما يبطئ التطور أيضاً، ميل الأفراد إلى السعي لتحقيقه مبكراً عندما يتولى قيادتهم الكثير من الرؤساء، من أجل إثارة إعجابهم. وقد وجدنا في (Reaktor) أن تجربة الحلول بأسرع وقت ممكن، والتحقق من صحتها مع المستخدمين الفعليين، وتكرار ذلك بسرعة، يقود إلى طرح منتج أفضل في وقت أقصر. كما يمكن عبر وضع نموذج أولي منذ البداية، اختصار شهور من الوقت اللازم للتطوير.

ولتحقيق النجاح في العصر الرقمي، تبرز الحاجة إلى استحداث بيئة عمل آمنة تسمح بإجراء التجارب والاختبارات. فالناس بحاجة إلى نيل الحرية للابتكار قبل أي شيء آخر. هناك حل سهل لهذا الأمر، يتمثل في توظيف أناس جيدين وموثوقين؛ إذ لا مبرر لعدم الثقة فيهم ما داموا ذوي كفاءة عالية. وهم لن ينجحوا أو يبدعوا من دون فعل ذلك.

ولتحصيل فوائد شركات العالم الرقمي واستغلالها على أكمل وجه، ينبغي للقائد تبني الأسلوب كلياً، وجعل نفسه جزءاً منه. ربما يعني هذا إجراء بعض التغييرات المزعجة. غير أن الشجاعة ضرورية، فإدارة الشركات تعني في النهاية الخوض في مخاطر مدروسة، والعالم الرقمي يجبرنا على مواجهة الجديد منها فحسب.

*جميع الأراء المنشورة في المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها

لماذا يجب على القادة هيكلة شركاتهم في العصر الرقمي؟

توكا كونتينن

FULL BIO

shutterstock 790399027 1

بقلم: توكا كونتينن، رئيس تنفيذي لدى (Reaktor) في الشرق الأوسط وأفريقيا

[caption id="attachment_48049" align="alignleft" width="300"] Processed with VSCO with hb2 preset[/caption]

ينظر إلى الثورة الرقمية في أساسها كأي ثورة، من حيث فرضها للتغيير وترسيخ دعائم جديدة لأداء الواجبات والأعمال. وبالتالي من المنطقي أن ينتج عنها رابحون وخاسرون وفقاً لمستوى الاستجابة. فمثلاً أولئك الذين لا يتماشون مع حركة التغيير في النظام الجديد سرعان ما يخسرون مواقعهم فيه.

في الواقع، إننا نحيا ثورة رقمية منذ عقد من الزمن. وبينما تقبلت معظم المنظمات التقليدية الحاجة إلى التغيير، لم تتبنّ جميعها هذا التوجه، بشمولية الطرق أو السبل الجديدة لتأدية الواجبات والأعمال. ويكمن التحدي الجوهري الماثل أمام تلك المنظمات في تعلقها وتمسكها بالآليات المتأصلة منذ الحقبة الصناعية، حيث كانت الهياكل الهرمية المعقدة التي ينساب التسلسل القيادي عبرها بوضوح من الأعلى إلى الأسفل، ضرورية لنمو الشركات إبان الثورة الصناعية. وحيث تعد هذه الآليات- التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا- فاعلة في دفع القوى العاملة لتنفيذ الأوامر وتشغيل العمليات، يمكن القول إنها ليست مصممة لمجابهة التحديات الجديدة التي تواجه الشركات، والمتمثلة في الابتكار والتطور والسرعة.

وبالرغم من أن التسلسل الهرمي ليس نقيضاً في حد ذاته لمعطيات العصر الرقمي، إلا أنه قد يكون عدو الابتكار من نواحٍ عديدة. إذ يفرض ثقافة طلب الإذن أو التصريح لتنفيذ الواجبات والأعمال. ويتطلب تنفيذ فكرة على أرض الواقع وتحويلها إلى مشروع فعلي، كفاحاً طويلاً وعسيراً للحصول على الإذن أو التصريح، فضلاً عن مروره بعملية طويلة من الموافقات اللازمة.

لكن لا يتحقق الابتكار السريع بسهولة في بيئة تتحاشى المخاطر، سيما في الشركات التي تخشى المخاطرة بطبيعة الحال. كذلك مركزية القرارات في العمل غالباً، حيث يطلب العاملون الإذن أو الموافقة لأداء أبسط المهمات، كطلب كرسي جديد للمكتب.

ما البدائل إذاً؟ قد تختار هيكلاً تنظيمياً أقل تعقيداً منذ البداية. وقد لا يحتاج هذا الهيكل التنظيمي إلى أقسام وإدارات معزولة، أو إلى الكثير من الرؤساء، بل يتطلب بدلاً من ذلك فرق عمل مستقلة، تتألف من أعضاء يتمتعون بكل المهارات المطلوبة. فيما يوفر هذا الأسلوب حرية الأفراد للسعي إلى تحويل أفكارهم إلى مشاريع قائمة بسرعة، من دون التقدم باستمرار لطلب الإذن أو الموافقة، أو الخوف مما قد يعتقده رؤساؤهم. إن غياب هيكل تنظيمي صارم يعني تمكين الأفراد وفرق العمل المعنيين بالأفكار المطروحة والمهمات، القدرة على اتخاذ معظم القرارات. ويمكننا بالاستناد إلى خبراتنا القول أيضاً إن هذا الأسلوب يساعد من دون شك على جذب المواهب المبدعة والحفاظ عليها.

لكن على الرغم مما تقدم ذكره، فالتحول إلى اعتماد هيكل تنظيمي أبسط على امتداد كل المؤسسة، قد لا يكون خياراً واقعياً للكثيرين، في حين يمكن تطبيقه على مستوى أصغر لتحسين الابتكار. فقد ولدت أعظم الابتكارات في العالم من رحم التجارب والاختبارات، حيث يستطيع الأفراد تبادل أفكارهم بحرية، والمضي في تحقيقها، دون القلق مما قد يظنه الرؤساء. فيما بدأت حتى أكثر المنظمات التزاماً بالتقاليد والهياكل التنظيمية القديمة بتبني هذا الأسلوب، معطية فرق العمل الاستقلالية لتطوير الأفكار خارج نطاق هيكل الشركة وتسلسلها الهرمي الاعتيادي. فالجيش الأميركي، الذي يقال إنه يقوم على واحد من أكثر الهياكل التنظيمية صرامة، انتقل إلى العمل بفرق مستقلة أصغر حجماً، وخارج نطاق تسلسل القيادة أو السلطة المتعارف عليه، بهدف تحسين استجابته للتهديدات الخارجية.

أما البحث عن الأسلوب "الجديد والصحيح" قد يكون في حد ذاته عقبة كبرى ضد اللحاق بالابتكارات الرقمية والتماشي معها. ومما يبطئ التطور أيضاً، ميل الأفراد إلى السعي لتحقيقه مبكراً عندما يتولى قيادتهم الكثير من الرؤساء، من أجل إثارة إعجابهم. وقد وجدنا في (Reaktor) أن تجربة الحلول بأسرع وقت ممكن، والتحقق من صحتها مع المستخدمين الفعليين، وتكرار ذلك بسرعة، يقود إلى طرح منتج أفضل في وقت أقصر. كما يمكن عبر وضع نموذج أولي منذ البداية، اختصار شهور من الوقت اللازم للتطوير.

ولتحقيق النجاح في العصر الرقمي، تبرز الحاجة إلى استحداث بيئة عمل آمنة تسمح بإجراء التجارب والاختبارات. فالناس بحاجة إلى نيل الحرية للابتكار قبل أي شيء آخر. هناك حل سهل لهذا الأمر، يتمثل في توظيف أناس جيدين وموثوقين؛ إذ لا مبرر لعدم الثقة فيهم ما داموا ذوي كفاءة عالية. وهم لن ينجحوا أو يبدعوا من دون فعل ذلك.

ولتحصيل فوائد شركات العالم الرقمي واستغلالها على أكمل وجه، ينبغي للقائد تبني الأسلوب كلياً، وجعل نفسه جزءاً منه. ربما يعني هذا إجراء بعض التغييرات المزعجة. غير أن الشجاعة ضرورية، فإدارة الشركات تعني في النهاية الخوض في مخاطر مدروسة، والعالم الرقمي يجبرنا على مواجهة الجديد منها فحسب.

*جميع الأراء المنشورة في المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها



Recommended Articles