فنلندا هي موطن لأكثر من 5.4 مليون شخص بمساحة تزيد عن 338,424 كيلومتر (فنلندا هي البلد الاقل كثافة سكانية في الاتحاد الأوروبي)، ومع ذلك تفخر باستحواذها على أكثر من 10٪ من صفقات بيع الشركات الناشئة في العالم. أدت ندرة الموارد في فنلندا والتغيرات في البنية التحتية للاتصالات إلى نشوء مجموعة كبيرة من الكفاءات والرواد في مجال التكنولوجيا التي تقود اليوم بدورها الجيل القادم من المواهب. في السابق كان انتشار التكنولوجيا في المنطقة قليلا نسبيا، إلا أنها انتشرت بشكل كبير خلال العقد الماضي منذ الأيام الأولى لشركة Nokia حيث اوجدت نموذجا فعالا في المجتمع وظهرت أسماء كبيرة لشركات مثل ” Rovio ” و ” Supercell” و” Seriously ” و” Framery “.

لا يدرك الكثيرون أن فنلندا قد شهدت خلال السنوات الخمس الماضية صفقة بيع واحدة على الاقل لشركات ناشئة بقيمة تزيد عن المليار دولار سنويا. وقال ماركوس سومي، الرئيس التنفيذي لوكالة التجارة والاستثمار الفنلندية Finpro ” تشترى الشركات الفنلندية الناشئة غالبا قبل أن تدرج”. وهذا ليس بمحض الصدفة. مع وجود أكثر من 500 شركة ناشئة في هلسنكي وحدها، أصبحت عاصمة فنلندا مركزا للشركات الناشئة المختصة بالألعاب (وقد حققت إيرادات بقيمة 2.4 مليار دولار في عام 2015) كما وتنمو أيضا بفضل ازدياد اهتمام المستثمرين في مجالات أخرى مثل التكنولوجيا النظيفة والتكنولوجيا المالية وتقنية المعلومات والحوسبة والخدمات الغذائية مثل Epic Foods. وقد حقق مؤتمر ” Slush” جزءا كبيرا من هذا النجاح إلا أن هناك ما هو أكثر من بساطة التنظيم وراء براعة الشركات الناشئة في فنلندا وهلسنكي. يعود النجاح إلى أوائل العقد الماضي عندما اقيم حفل ضخم جذب أكثر من 13 ألف شخص إلى حلبات الهوكي على الجليد لرؤية عشاق التقنية وهم يستعرضون أفكارهم. عندما تتحدث الى الشركات الناشئة في هلسنكي، يتضح لك أن المؤسسين قد ألهموا من التاريخ بقدر شغفهم لخلق مستقبل مختلف.

جعلت فنلندا اليوم الشركات الناشئة احدى اهم أولوياتها، وهي تركز أيضا على الشباب لتطوير المستقبل. ولا تزال هناك ثلاثة أمور تشكل جزءا كبيرا من نجاح فنلندا:

1- تحسين البنية التحتية والتركيز على إزالة الحواجز وحل المشاكل على المدى الطويل بطريقة تختلف إلى حد كبير عن البلدان الأخرى. ويرجع ذلك جزئيا إلى فهم تأثير هذه المنظومة على البلاد ومستقبلها. “Maria 01” -مركز للشركات الناشئة يضم مئات الشركات الجديدة وقد تم إنشاؤه بالاستفادة من مستشفى مهجور –هو مثال جيد على ذلك.

2- الدعم الحكومي للشركات الناشئة ولكن دون الهيمنة عليها؛ من خلال حملات الدعم العامة ووكالة التمويل المخصصة للابتكار” Tekes ” وبرامج مخصصة للمرشدين والمساعدة في سياسات البناء والتوظيف.

3- التركيز على الأطفال وتعزيز ما عندهم من بساطة وثقة وقدرة على الصمود. تتميز الحياة في فنلندا بالبساطة، فالناس لا يستهلكون فوق طاقتهم ولا يهتمون كثيرا بالعلامات التجارية. كما وان نظام التعليم المدرسي لا يشتمل على الاختبارات الموحدة ويركز على السعادة.

كما وتواصل فنلندا التركيز على تراثها القوي من الشركات الناشئة في مجال الالعاب، ولكن تظهر المجموعة الجديدة من الشركات الناشئة توسيع فنلندا تركيزها مع استمرار تدفق الاموال؛ فتركز “Paptic ” على إعادة التدوير، ويمكن أن تغير”Claned ” الطريقة التي يفكر فيها العالم حول التعليم، كما وأن “Venuu ” تعيد تصور الطريقة التي يتطلبها تنظيم الفعاليات، وتسهل “VAU ” عملية التحكم بالفيديو الشخصي. من الواضح ان فنلندا لن تكتفي بالاتكال على نجاحها المبكر.