Investing / #ForbesInvesting



March 27, 2017,   6:24 AM

مزارع القهوة اليمنية بنكهة عالمية

أليس كنوتسن

FULL BIO

حسين أحمد مؤسسmocha hunters 2
في مساء كل يوم، ومنذ غروب شمس العاصمة اليمينة صنعاء، يتابع حسين أحمد ،37 عاماً، عبر تلفازه، آخر تطورات قرار الرئيس ترامب المتعلق بحظر السفر منذ 27 يناير/ كانون الثاني الماضي. ففي حين خطط حسين أحمد، الرئيس التنفيذي لشركة ناشئة عمرها 6 شهور تسمى (Mocha Hunters) السفر إلى ولاية كاليفورنيا في ربيع هذا العام كي يروج لمنتج شركته، يبدو أن إمكانية السفر الآن باتت بعيدة المنال من أساسها. يقول: "عند صدور القرار أدركت أني لن أتمكن من الذهاب" فقد منع اليمنيون، إلى جانب مواطني 6 دول أخرى ذات أكثرية مسلمة من دخول الأراضي الأمريكية مؤقتاً.

كما يعلق أدهم الجهمي، شريكه المقيم في أميركا، ومنسق اللقاءات مع العملاء والمستثمرين المحتملين: "إنه لأمر مؤسف حقاً". لكن لم يتردد ديف غولدبلات، المستثمر الملاك والمتخصص في المنتجات لدى (Facebook) عن استثمار 150 ألف دولار في (Mocha Hunters) قبل قرار الحظر.

يقول: "أعتقد بأن هناك فرصاً جيدة لتسويق القهوة اليمنية في أمريكا ودول أخرى غيرها"، وهذا ليس مفاجئاً من شخص يعيش في خليج سان فرانسيسكو، حيث يرغب شاربو القهوة بمعرفة مصدرها. لقد جنى المزارعون اليمنيون حبوب قهوتهم الأسطورية "أرابيكا" منذ مئات السنين، وشحنوها من ميناء مدينة المخا إلى أرجاء العالم كافة.

لكن، حتى قبل اندلاع الحرب عام 2015 ، لم يفلح هذا البلد الفقير في الاستفادة من محصوله الشهير؛ فقد بلغ معدل صادراته 55 ألف كيس من حبوب القهوة، يزن الواحد منها 60 كغم ؛معيار القياس المتبع في القطاع؛ سنوياً بين عامي 2000 و 2014 ، وهو مقدار ضئيل مقارنة بالبرازيل مثلاً، التي بلغت صادراتها السنوية 28 مليون كيس خلال الفترة نفسها. ثم تباطأت صادرات اليمن بشدة خلال عام 2015 ، حتى 8 آلاف كيس فقط،  وفقاً للمنظمة الدولية للقهوة. لكن أحمد يصر على أن حظر السفر أو الحرب لن يحولا دون تصدير القهوة في النهاية. يضيف: "المزارعون في اليمن هم الأساس الذي تقوم عليه شركتنا".

وبينما تناقش المحاكم الأميركية شرعية الحظر من عدمها، يهدد ترامب بإصدار قرار تنفيذي جديد حول الهجرة. غير أن أحمد لا يلقي بالاً لذلك، ويجوب بلده الذي تكاد تمزقه الحرب طولاً وعرضاً، باحثاً عن المحاصيل عالية الجودة، وعن أي حلول ممكنة لشحنها إلى أميركا. ويبقي على اتصاله بشبكة من المعارف تتألف من 25 مزارعاً في منطقتي بني مطر وآنس الجبليتين، إذ يحرص على زيارتهم أسبوعياً. كذلك لتسهيل عملية التخزين، خصص أحمد حجرة في منزل أسرته، وغطى نوافذها لخفض مقدار الإضاءة وضبط درجات الحرارة بالحد المناسب.

ولمنع أي رائحة دخيلة من إفساد نكهة حبوب القهوة، نشر لائحة من القوانين للعائلة والضيوف، تنص على التوقف عن طهي الطعام ذي الرائحة النفاذة، وتجنب إشعال البخور. وعلى هذا النحو، نجح في تأمين أكثر من 1 طن من ثمار القهوة المجففة. ظهر اهتمام أحمد- الذي التحق ببرنامج التبادل الثقافي في مرحلة الدراسة الثانوية، وعاش في بريطانيا 10 أعوام- بتجارة القهوة بعد عودته بصحبة عروسه اليابانية إلى صنعاء عام 2007 . حينها أدار عمليات تجارة إلكترونية في مجالي العقارات والسيارات.

لكنه إلى جانب ذلك، درج على التجول مع عروسه في أرجاء الريف اليمني خلال العطل الأسبوعية، لزيارة القرى النائية ومزارع القهوة في أعالي الجبال. وسمع القصة المتداولة منذ قرون في الموروث الشعبي، عن ذلك الناسك الصوفي الذي جلب نبات القهوة إلى اليمن من القارة الأفريقية.

يتذكر أحمد بقوله: "بدأت أسأل السكان المحليين عن أسباب زراعتهم القهوة في المرتفعات، وأي الأنواع يزرعونها هناك؟" وسرعان ما تطور فضوله إلى شغف، وتطورت رحلاته الأسبوعية إلى مهمات بحثية حول نبات القهوة. في الواقع، تدير العائلات اليمنية معظم تلك المزارع، منتجة أقل من 200 كغم من ثمار القهوة النيئة سنوياً.

وفي حين يصعب تولي الآلات حصاد المزارع الجبلية شديدة الانحدار، غالباً ما تتولى النساء مهمة قطف الثمار بالأيدي، وهن العمالة الأساسية في الحصاد السنوي بعد أن اعتراه تغيير طفيف، منذ ظهور تجارة قهوة الموكا في القرن الـ 17 عشر.

 

 

[caption id="attachment_38083" align="alignright" width="300"] حسين أحمد يتفحص جودة حبوب القهوة في منطقة بني مطر باليمن. مصدرة الصورة: (Mocha Hunters)[/caption]

فيما يبيع معظم المزارعين اليمنيين إنتاجهم في السوق المحلية، حيث يشتريه منهم التجار، ويمزجون أنواع مختلفة من الحبوب معاً، لتصديرها إلى المملكة العربية السعودية بعد ذلك. وهناك تحمص القهوة ويضاف إليها الزنجبيل والهال، التي يرى أحمد أنها تطغى على نكهة حبوب القهوة اليمينة الحادة، مما يجعل العثور على القهوة اليمنية الخالصة أمرًا صعباً. لكن بعد زيارته العاصمة طوكيو وإدراك مدى تقدير اليابانيين للقهوة عالية الجودة، وجد فرصة سانحة في السوق.

فلمعت فكرته الجريئة بتأسيس شبكة مزودين موثوقة من المزارعين الذين التقى بهم وتعرف إليهم في الأرياف، ليزودوه بمحاصيلهم. وفي عام 2009 انتقل أحمد وزوجته إلى طوكيو، وعمل كتاجر جملة مستقل، يبيع قهوة أرابيكا الخالصة، بينما ظل مواظباً على زيارة اليمن والاتصال بمزوديه بالرغم من مشقة التنقل. يعلق بقوله:"من الصعب الحصول على القهوة اليمينة، فالمسألة لا تقتصر على مجرد الذهاب إلى السوق وشراء الحبوب، أو التوجه إلى القرى نفسها، بل يتعين عليّ التعامل مع القبائل والتحدث مع شيوخها".

ولاكتساب ثقة أعيان القرى ومزارعيها، رأى أن من واجبه الاتصال بهم وسؤالهم عما ينقصهم من مدينة صنعاء، وتأمين احتياجاتهم حتى لو لم يشترِ منهم شيئاً في المقابل. يقول: "يطلبون الأدوية أحياناً، وأحياناً يطلبون بطاقات لهواتفهم النقالة أو بطاريات شحن". عندما ناداه أحدهم في اليابان باسم (Mocha Hunter )علق الاسم في ذهنه. ثم قرر في عام 2011 افتتاح مقهى صغير في طوكيو، أطلق عليه اسم (Mocha Coffee) .

يعلق مبتسماً: "لم ألمس آلة القهوة في حياتي". لكنه تعلم كيف يحضر حبوب القهوة ويحمصها يدوياً، مصمماً على إتقان كل مراحل تحضيرها، من القطاف إلى إعداد فنجان القهوة.

وقد شعر بالفخر حين أخبر عملاءه بدقة عن هوية المزارع اليمني- زارع الحبوب التي صنعت منها قهوتهم. لكن في الوقت الذي أثار فيه مقهى أحمد ضجة في الصحافة اليابانية، تفاقمت مشكلاته الشخصية؛ فبعد انتهاء زواجه بالطلاق، عاد إلى اليمن في عام 2012 ، تاركاً المقهى وراءه.

ثم بدأ من موطنه بالبحث مجددًا في السوق الأميركية. يقول:"المواطن الأميركي العادي يشرب قهوة عادية، لكن أعدادًا متزايدة من الناس هناك، يقبلون على تجربة القهوة الجيدة". فيما تعد نصف كمية القهوة المستهلكة في أميركا من الصنف الممتاز أو ذات الجودة العالية، لتبلغ قيمة تجارة التجزئة في هذا القطاع تحديداً 26 مليار دولار.

ووفقاً للجمعية الوطنية للقهوة، ارتفع استهلاك هذا الصنف بسبب اهتمام بائعيها ومقاهيها بفئة الموظفين في المدن وتوجههم إليها. فهم على استعداد لدفع المزيد في سبيل الحصول على قهوة ذات نوعية عالية، ودعم مزارعي القهوة المستقلين.

كما تمكنت متاجر إعداد القهوة الخاصة، التي تذكر أسماء زارعي القهوة على أغلفة منتجاتها، من فرض زيادة قدرها 9.95 دولار للرطل الواحد في عام 2015 ،حسب مؤسسة (Transparent Trade Coffee)  ويرى بعض الخبراء أن نجم القهوة اليمينة سيسطع في هذا القطاع؛ فقد باعت سلسلة متاجر القهوة الفاخرة (Blue Bottle Coffee) ومقرها سان فرانسيسكو، القهوة اليمنية بـ 16 دولار للفنجان الواحد قبل نفادها كلياً.

مما دفع جيمس فريمان، رئيسها التنفيذي إلى مدح القهوة اليمنية في مدونته في العام الماضي قائلاً: "حين تتذوقها تغمرك النشوة". وكان موردها في ذلك الحين من (Port Of Mocha) التي تعود ملكيتها إلى مختار الخنشلي- اليمني الأمريكي المصمم على إحياء هذه التجارة أيضاً.

في عام 2014 ، اقترح دبلوماسي أميركي في اليمن على أحمد، الذهاب إلى سياتل بولاية واشنطن لحضور مؤتمر حول القهوة الفاخرة، فاستغل الأخير الفرصة. وأثناء استعداده للعودة إلى موطنه، سيطرت قوات الحوثيين على مدينة صنعاء، ولجأ الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى المملكة العربية السعودية في مطلع عام 2015 . يعلق أحمد: "مع اندلاع الحرب، أغلق المطار وانهار كل شيء في اليمن". وقد منح تأشيرة إقامة خاصة للبقاء في أميركا 18 شهراً فقط، تقدم خلالها بطلبات للعمل في متاجر إعداد القهوة، إلى أن اضطر في النهاية للعمل في متجر لبيع الهواتف النقالة، لتأمين قوت يومه.

حينها عرفه أحد الأصدقاء إلى أدهم الجهمي ) 26 عاماً(. نشأ الجهمي- يمني الأصل، في مدينة ديترويت بولاية ميشيغان، ويعمل متعاقداً لدى (Facebook). يقول أحمد: "لاحظ الجهمي كم أنا شغوف بصناعة القهوة، فتحدثنا كثيراً حول إمكانية تأسيس علامة تجارية في هذا القطاع. ثم تطورت الفكرة بعد ذلك". وحين بدءا تنفيذ المشروع، سجلا اسم (Mocha Hunters) في ولاية ديلاوير عام 2016 .

عاد أحمد بعدها إلى اليمن في أكتوبر/ تشرين أول الماضي، حيث شرع فور وصوله بزيارة مزوديه في بني مطر وآنس. مؤكدًا على أنهما منطقتان آمنتان نسبياً، بالرغم من سماع هدير الطائرات السعودية في بني مطر المعروفة بإنتاج أفضل أنواع القهوة في اليمن. هناك خشي أحد المزارعين، بعد تغطية آلاف الشتلات بالأقمشة لحمايتها من الشمس الحارقة، أن تلفت انتباه الطيارين فأزاحها، لكن ذبل محصوله في المقابل.

يعلق أحمد: "تموت كالبشر!". وحفاظاً منه على جودة بضاعته، لا يشتري الثمار من السوق أو من التجار، بل يعمل مع المزارعين من دون وسطاء، لاختيار أفضل الثمار أثناء الحصاد، وللمحافظة على جودتها أثناء عملية التجفيف. وفي حين أقام أحمد علاقات وثيقة مع المزارعين، توجه الجهمي لطلب التمويل من 5 مستثمرين محتملين، فرفض 3 منهم طلبه، ولم يجبه أحدهم أيضاً.

بينما أعجب ديف غولدبلات، الزميل في (Facebook) بمعرفة أحمد العميقة في هذا المجال، وعلاقاته الواسعة في اليمن". يقول: "اعتقدت بأنها فرصة رائعة". إنه واعٍ تماماً بحجم التحديات التي تواجه (Mocha Hunters) . لكن فضلاً عن الغموض الذي يلف احتمالات سفره من عدمها، تظل وسائط الشحن خطرة ولا يمكن توقع المتغيرات الطارئة.

[caption id="attachment_38049" align="alignright" width="300"]حسين أحمد : نحن ندير عملا تجاريا ، وعلينا أن نكون خلاقين ونقترح الحلول. مصدرة الصورة(Mocha Hunters) حسين أحمد : نحن ندير عملا تجاريا ، وعلينا أن نكون خلاقين ونقترح الحلول. مصدرة الصورة(Mocha Hunters)[/caption]

فيما توافق الشركات على تأمين المنتجات المشحونة من موانئ اليمن، لكنها لا تؤمن على المخزون المحفوظ في حجرته، مع تقديره لقيمة مخزونه بـ 200 ألف دولار. يقول: "نحن في ظل الحرب، ولا تأمين هنا". حاول في فبراير/ شباط شحن 30 كغم سيقت إلى مختبرات ضبط الجودة وخبراء القهوة في أميركا ؛ لأن وكالات الشحن الجوي العالمية أوقفت عملياتها في اليمن؛ فأجبر على تحميل العينات في حافلات ركاب متجهة إلى مدينة جدة، بعد أن غلفها بأكياس خاصة ومحكمة الإغلاق.

غير أن التعرض لحرارة تفوق 30 درجة مئوية لمدة طويلة قد يفسدها. لكنه أكد بنفسه أن حمولته وصلت سليمة إلى مدينة جدة، حيث أرسلها صديقه إلى أميركا. وإذا سارت الأمور وفقاً للخطة، ستشحن ( Mocha Hunters) من 300 إلى 400 كغم إلى متجر (Counter Culture Coffee) لتجارة القهوة بالجملة والتجزئة في مدينة دورهام بولاية كارولاينا الشمالية خلال ربيع العام الحالي.

كما سيحاول والجهمي التوصل إلى أفضل الطرق لبيع منتجهما إلى المستهلكين من دون وسطاء، كذلك البحث في تفعيل خدمة الاشتراك كإحدى الاحتمالات المطروحة، وإنشاء تطبيق إلكتروني يسمح للعملاء الاطلاع على بيانات المزارعين ومحاصيلهم. وتقاضي الأجور عن طريق الخدمة المصرفية الإلكترونية.

يؤكد أحمد بقوله: "نحن شركة لتجارة القهوة، لكننا ملمون بالتكنولوجيا أيضاً، ونريد دمجهما معاً". أما الشركاء فيعلمون أن قرار منع السفر أو حتى الحرب مجرد عقبة أكثر من كونها طريقاً مسدودة. وهذا ما يعززه أحمد بقوله: "نحن ندير عملاً تجارياً، وعلينا أن نكون خلاقين ونجترح الحلول". أما الفوضى فهي حقيقة واقعة، وكل ما يجب علينا فعله، التعامل معها بأفضل الطرق الممكنة". إنها تجربة تنطوي على كثير من الدروس والعبر المفيدة بلا شك، للمسؤولين عن إدارة الأعمال التجارية في المقام الأول.


Recommended Articles