ستيوارت أودا 32 عاماً ليس المزارع العادي الذي تظنه. يقول مقدماً نفسه: “أنا مستثمر مصرفي سابق، تحول إلى مزارع حضري”. وهو الرئيس التنفيذي ل Alesca Life Technologies الشركة الزراعية الناشئة ومقرها مدينة بكين، التي تبتكر منشآت مزودة ببرامج حاسوبية لتربية المحاصيل الزراعية، صممت للمزارع المقامة في المناطق الحضرية.

يضيف: “نحن نبني مزارع مقاومة للظروف الجوية، ومتصلة بالحوسبة السحابية، وتتيح لأي شخص إنتاج الغذاء، وفي أي مكان”. أما إمارة دبي فهي إحدى هذه الأماكن.

فيما ينظر أودا إلى دولة الإمارات بوصفها موقع التوسع الرئيس والأول لشركته خارج سوقها الأساسية في الصين، حيث أسسها مع شخصين آخرين منذ عام 2013 حينها كانوا يبحثون عن فرصة لابتكار زراعي في الأسواق النامية باستخدام تكنولوجيا جديدة.

ستيوارت أودا

يقول أودا: “أمامنا الكثير من الفرص لتحسين جوانب المشروع جميعها، من توفير الأطعمة الغنية بالمغذيات وصولاً إلى تحقيق الأمن الغذائي”.

وتعمل الشركة في الأساس على تحويل حاويات الشحن القديمة إلى مزارع آلية مصغرة، عبر تزويدها بنظم الزراعة المائية التي تسمح للمحاصيل بالنمو مستهلكة كميات أقل من الموارد. وتستهلك حاوياتها الزراعية، نتيجة لذلك، كميات أقل من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية، بمقدار يتراوح بين 20 إلى 25 مرة، وفقاً لقول أودا. كما تستهلك أسمدة أقل، وتوصف بأنها خالية من المبيدات الحشرية.

تقلص الشركة في الوقت ذاته تكاليف العمالة، مستخدمة البرامج الحاسوبية لجعل معظم عمليات الإنبات آلية. وتعتمد على أجهزة استشعار مثبتة داخل الحاويات لمراقبة المحاصيل الزراعية، بينما يجري التحكم بالعملية عن بعد باستخدام تطبيق إلكتروني في هاتف ذكي.

كذلك صممت Alesca Life Technologies حاوياتها الزراعية لتدمج في الأبنية، أو أي مواقع غير مسكونة في المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.

فيما يسوق أودا هذه التكنولوجيا لعملائه، مثل: الفنادق، والمطاعم، وسلاسل متاجر البقالة الكبرى، وموزعي الأغذية.

وإلى جانب توفير الموارد، تسمح هذه التقنية للعملاء بتخفيض تكاليف النقل المترتبة عليهم. فبدلاً من نقل المحصول من المناطق الريفية إلى المدينة، يمكن للعملاء زراعة الفاكهة والخضروات في مراكز المدن الكبرى. يضيف: “نرى أن تمكينهم من إنتاج المحاصيل محلياً سيغير من طرق مزاولتهم لأعمالهم”.

ويرى أودا في دولة الإمارات فرصة واعدة للعديد من الأسباب؛ إذ تمثل دبي لأصحاب الأعمال المبتدئين مدينة عالمية يزدهر فيها قطاع السياحة، مما يزيد الطلب على أنواع كثيرة من المنتجات الزراعية الطازجة. يقول: “تتنوع المطابخ في دبي تنوعاً هائلاً”. مما يجعلها بحاجة إلى تشكيلات واسعة من المكونات التي لا ينتج الكثير منها في الإمارات.

وبالرغم من كونها مستوردة رئيسة للأغذية، إلا أنها لا تنفرد بهذه الصفة؛ إذ يتوقع ارتفاع الواردات من الأغذية في كل دولة من دول منطقة الخليج على مدى الأعوام ال 3 المقبلة إلى 53 مليار دولار بحلول عام 2020 ، وفقاً لبحث أعدته  .Economist Intelligence Unit ويمكن زراعة أنواع عدة من المنتجات الزراعية المستوردة داخل حاويات الشركة الزراعية. يؤكد أودا بقوله: “جميع ما يمكن تخيله، من الأعشاب الإيطالية إلى أبسط النباتات وأصغرها على الإطلاق. وهي منتجات زراعية عادة ما تستورد من أوروبا.”

لقد انطلقت الشركة للمرة الأولى في منطقة الشرق الأوسط في العام الماضي، من خلال برنامج مسرعات دبي المستقبل، حيث كانت واحدة من بين 30 شركة استوفت الشروط، من بين ما يقارب ألفي شركة ناشئة تقدمت لمسرع الشركات الناشئة المدعوم من الحكومة. حينها تقدم أودا خلال البرنامج الذي استمر لمدة 12 أسبوعاً، إلى شركاء محليين محتملين وعملاء في منطقة الخليج. يقول: “سمحت لنا بالضرورة من التحقق من اكتساب التكنولوجيا لقيمة محددة في المنطقة، وهو أمر اقتنعنا بوجوده”.

ثم توجت جهود القائمين على البرنامج بتوقيع الشركة على مذكرة تفاهم مع بلدية دبي لتكون مستشارتها للشؤون الاستراتيجية.

ووفقاً لقوله، تقترب الشركة من إبرام عقود مع عملاء في دولة الإمارات، لكنه يرفض الكشف عن أي جهة قبل الانتهاء من إبرام الصفقات معهم. بينما يشير إلى أنهم يتحدثون إلى جهات عدة في القطاعين العام والخاص. بالإضافة إلى محاولة التواصل مع زبائن محتملين في المملكة العربية السعودية.

لقد خدمت  Alesca Life Technologies  في الصين على مدى 6 شهور ماضية عملاء مثل:  Mercedes Benz  ومجموعة الفنادق Jen Hotel.

ويدرس أودا حالياً التوسع في القارة الأوروبية وجنوب شرق القارة الآسيوية أيضاً، وهو هدف يأمل تحقيقه خلال العام المقبل. وأثناء ذلك، يقضي حالياً وقتاً أطول في السفر، بما يفوق الوقت الذي يقضيه في الاعتناء بمحاصيله الزراعية. إذ سيسافر في 60 رحلة جوية هذا العام، أو رحلة جوية واحدة كل 6 أيام تقريباً.

إن هذه الشركة ليست الوحيدة التي تستكشف فرص الابتكارات الزراعية في الإمارات، بل تتعامل شركات محلية مثل  Landex Group و My Green Chapter  أيضاً، على سبيل المثال لا الحصر، مع الزراعة الحضرية أيضاً. وهذه الأخيرة تلبي احتياجات المستهلكين الإماراتيين ذوي الوعي البيئي، ممن يودون زراعة محاصيلهم الغذائية بأنفسهم وكان ذلك ما قاده إلى فكرة تأسيس  .Alesca Life Technologies وبالرغم من أن  Dell  كانت تستكشف فرصاً في الأسواق النامية في قطاع أجهزة الحاسوب الشخصية، إلا أنها دفعت ستيوارت أودا إلى التفكير في التحديات العالمية التي يمكن معالجتها باستخدام التكنولوجيا عموماً، فكانت الزراعة هي إحدى القطاعات التي استحوذت على اهتمامه.

بعد ذلك، بحث وتوصل إلى أن الحصول على منتجات زراعية طازجة قد يكون تحدياً كبيرًا في الأسواق النامية، لوجود عوامل معيقة، مثل: الاعتماد على الأراضي في الزراعة، والنقل، والمناخ.

لكنه رأى فرصة للابتكار. يقول: “من منظور حجم السوق، كانت فكرة الزراعة مثيرة”.

وكان الآخرون يبحثون هذه المشكلة أيضاً، عبر اتخاذ خطوات مثل: استخدام بيانات الطقس لتحسين إنتاج المحاصيل الزراعية قدر الإمكان. وهم جزء من سوق الزراعة الدقيقة، إذ يتوقع لها أن تزداد بمقدار الضعف من 3.2 مليار دولار في عام 2015 إلى 7.8 مليار دولار بحلول عام 2022 ، وفقاً لشركة البحوث  Markets and Markets  ومقرها الهند.

وقد اقتنع أودا بحتمية وجود فرص هائلة تنطوي على محاولة تحسين كفاءة الزراعة، وجعلها أكثر اعتمادًا على البيانات. لكنه احتاج بعض الوقت ليستجمع شجاعته للتخلي عن وظيفته، ودخول عالم ريادة الأعمال سريعاً. يقول في معرض حديثه عن ضرورة الاستعجال: “الفرصة لا تنتظر طويلا”.

حينها، تحالف مع الشريكين المؤسسين، كازوهو كومودا الذي تعرف إليه حين كان يعمل في مجال الصيرفة بطوكيو، ويونغ هاالذي عمل سابقاً في شركة  Dell  لتأسيس الشركة في أغسطس/ آب 2013 . وهنا تبدأ التحديات الحقيقية؛ إذ لم يزاول أي من المؤسسين الزراعة من جهة، كما تحتم عليهم تمويل المشروع في بداياته من أموالهم الخاصة من جهة ثانية. فبدؤوا العمل بدراسة كل الجوانب المتعلقة بالمشروع، من علم أحياء النبات إلى الكيمياء الغذائية، في وقت اطلعوا فيه على التكنولوجيا والبرامج الحاسوبية أيضاً، كما انشغلوا بتطوير نموذج أولي.

وقد سافروا في البداية إلى مدينة ساحلية في الصين، حيث اشتروا حاوية شحن مستعملة. أعادوا تجديدها وعزلها، ثم ثبتوا فيها جهازهم الذي صمموه بالكامل في شركتهم. وكانت الحاوية الناتجة معزولة عن الهواء والماء وتلوث التربة. ثم طوروا تطبيقاً خاصاً بالهواتف الذكية لإعطاء المزارع القدرة على مراقبة جميع أجهزة قياس الظروف البيئية في الحاويات. وبهذا، باشر فريق Alesca Life Technologies  بزراعة المحاصيل وإنباتها بمجرد الانتهاء من بناء الحاوية. في حين نجحت الشركة في جذب أول عملائها في عام 2014.

راح بعدها أودا يفاخر بنجاح المنتج، ثم توجه إلى جمع الأموال والتعريف بالشركة. ولم يتوجه أول استثمار خارجي إلى الشركة إلا بعد الانتهاء من بناء أول نموذج أولي ومباشرة العمل. فكان أول دفعة من المستثمرين فيها من الأصدقاء وأفراد العائلة. ومؤخرًا، حصل أودا على تمويل يزيد على 1 مليون دولار، لكنه لا يكشف عن هوية المستثمرين. وحتى الآن، حصلت الشركة على تمويل مرحلة تأسيس، واستثمارات ضخها مستثمرون ملائكيون، غير أنه لا يفصح عن مجمل الأموال التي جمعت أيضاً.

نافست  Alesca Life Technologies في العام الماضي في مسابقة كأس التحدي 1776 ، وهي منافسة عالمية للشركات الناشئة. وبالرغم من أنها لم تفز بكأس المسابقة، إلا أن أودا حصل من خلال المشاركة فيها على توصية للمشاركة في برنامج مسرعات دبي المستقبل المبتكر حديثاً. وهو يركز جهوده اليوم على توسيع حضور الشركة في أسواق جديدة، أولاها وأهمها هي الإمارات.

فيما تبحث الشركة عن سبل تصنيع حاوياتها في دبي، كما تستعد لافتتاح مكتب فيها، حيث يخطط أودا لتوظيف عاملين من المصممين الصناعيين وعلماء الزراعة.

لكن ما زالت هناك تحديات ماثلة أمامها على طريق توسعها، كالقوانين والتعليمات، بالرغم من أن أودا يرى أن البيئة التنظيمية في إمارة دبي ودية جدًا. كذلك مسألة إقناع المستهلكين؛ إذ تطلب الأمر كثيرًا من الجهد لإقناع المستهلكين في الصين لتقبل الزراعة بأساليب جديدة، والتخلي عن الأساليب التقليدية. وهذا ليس أمرًا مقلقاً في الإمارات حتى الآن أيضاً. كما أن زراعة أصناف مختلفة من المحاصيل الزراعية لتحقيق الربح معضلة أخرى.

ويمكن تحقيق الربح من زراعة بعض المحاصيل الزراعية في حاويات الشركة، غير أن إنبات سواها من المحاصيل الزراعية ليس مربحاً. وهي قضية يأمل فريق العمل معالجتها بمواصلة الاهتمام بالتكنولوجيا وتحسينها.

وبعيدًا عن التحديات، يصر أودا على أنه الوقت المناسب للابتكار والإبداع في قطاع الزراعة. كما يعتقد أنه وجد فرصة متاحة للاستغلال في إمارة دبي.